الطفلة والنعش

لمحة نيوز

حواليها صعبة عليها البيت فاضي من غير بابا وكل حاجة باين عليها فقدانه لكن لوسيانا كانت عارفة في قلبها إن باباها معاه روحها ومعاه قلبها كل ما تقعد في أوضة نومها كانت تحس بوجوده حواليها بتحس بالراحة لما تمسك سريره القديم أو لما تبص على لعبه اللي كان بيحبها كانت بتتكلم معاه في صمت عن يومها في المدرسة عن أصحابها عن كل حاجة بتحصل حواليها كأنها عارفة إنه سامعها حتى لو مفيش حد تاني فاهم الحكاية.
الأيام عدت وكل يوم الصبح لوسيانا كانت بتصحى وتروح تبص على صور باباها اللي معلقة على الحيطة وتبتسم له في صمت وتبدأ تحكي له عن كل حاجة بتحب تعملها أحيانا كانت تقعد في الجنينة الصغيرة اللي كانوا بيروحوا فيها سوا وتستنشق الهوا وتحس إنه واقف جنبها حتى أصدقاءها في المدرسة لاحظوا إنها بقيت مختلفة شوية هادئة جدا عميقة في التفكير مش زي أي بنت في سنها مرات كانت تبكي لوحدها من غير سبب واضح والناس كانت بتفكر إنها عايشة حالة حزن بس الحقيقة كانت بتحس بحاجة أكبر كانت بتحس بوجوده معاها
في كل مكان وكل حركة وفي الليل كانت أحيانا تسمع صوت خطواته في البيت أو صوت ضحكته الخافتة كانت تعرف إن دي مجرد روح أبوها اللي حارسها.
في يوم الأم لاحظت إن لوسيانا بدأت ترسم صور غريبة صور فيها باباها وهي موجودة جنبه وكأنهم بيكملوا يومهم سوا وفي الرسم ده كل تفاصيل المكان كانت حقيقية جدا لون قميصه الابتسامة اللي كان دايما بيعملها وحتى المكان اللي كانوا بيروحوا فيه الحديقة سوا الأم قالت لها إيه اللي بتعمليه ده لوسيانا ابتسمت وقالت بابا معايا وأنا برسمه عشان يكون معايا دايما وكانت كلمتها بسيطة بس مليانة إحساس كأنها بتفتح سر غريب للكل.
ومع مرور الأسابيع لوسيانا بدأت تعمل حاجات غريبة أكتر كانت تقعد ساعات طويلة جنب النعش اللي احتفظوا بيه مؤقتا في بيت الجدة قبل الدفن النهائي مش عايزة حد يقرب منها وكانت تحس بالدفء لما تحط يدها على التابوت وأحيانا كانت تقول كلمات صغيرة لنفسها كأنها رسالة لباباها وكانت الجدة والأم مش عارفين يفسروا ده لكن فضلوا ساكتين واحترموا رغبتها
والناس اللي كانوا بيجوا العزاء مرات كانوا بيلاحظوا إنها بتضحك أو بتبكي من غير سبب واضح واللي كان محيرهم أكتر إن المكان حواليها كان كله هادي حتى لو كان في ضوضاء كانت ساكنة ومرتاحة.
وفي ليلة من الليالي لوسيانا قامت من النوم وهي حاسة بحاجة قوية خرجت من أوضتها بدون ما حد يعرف راحت للغرفة اللي كان فيها تابوت باباها جلست على الكرسي قدامه وبصت له وقالت بابا أنا محتاجة أقولك كل حاجة حصلت من ساعة ما مشيت كل حاجة حاسة بيها أنا محتاجة أحكيلك عن المدرسة عن أصحابي عن كل يوم بيعدي من غيرك وبكت شوية وبعدها ضمت نفسها للتابوت وفجأة حست بإيد باباها على ضهرها مرة تانية حست بالهدوء والسلام وكأن كل خوفها وحزنها اتشال من قلبها طول الليل فضلت كده تحكي له وتضحك وتعيط في نفس الوقت وفي الصبح لقيت نفسها نايمة جنب التابوت والبطانية لسه محطوطة على كواحلها والجدة والأم وقفين بره الأوضة وعيونهم مليانة دموع من اللي شافوه.
الأسابيع والاشهر عدت لوسيانا بقت أكتر قوة وهدوء الناس حواليها
لاحظوا إنها كبرت فجأة بعقلها وحسها وعاطفتها وهي لسه بتكمل حديثها مع باباها في خيالها وفي أفعالها اليومية أحيانا تقعد مع الأطفال التانيين وتساعدهم وتلعب معاهم لكن كانت دايما محتفظة باللحظات الخاصة بينها وبين والدها ومع الوقت العائلة كلها بدأت تحس إنه رغم فقدان بنيامين جسديا روحه فضل موجودة وده أثر على حياتهم كلها كل واحد بقي أكتر وعي وشعور بالحب الحقيقي اللي ملوش نهاية.
ومع مرور السنين لوسيانا كبرت وبقت شابة لكن كل حاجة حصلت في الأيام اللي بعد وفاته فضلت معاها كل كلمة قالتها كل حركة كل شعور بالدفء والأمان كل ده علمها إزاي تحب وتقدر الحياة وتفهم إن الحب اللي بين الأب وابنته مش بينتهي بالموت وإنه ساعات الأطفال بيحسوا بحاجات الكبار مش قادرين
يستوعبوها والناس اللي عرفوا القصة كلها لحد النهاردة بيحكوا عن العجائب اللي حصلت مع لوسيانا واللي علمتهم درس إن الروح والأحاسيس أحيانا أقوى من أي حاجز مادي وكل ده فضل جزء من حياتها اللي مليانة ذكريات وصمت وحب مش ممكن ينسى
أبدا.

تم نسخ الرابط