سر المرآة
مستلقية أعد النقود في رأسي. لم يتبق معي سوى بعض العملات القليلة. مبلغ تافه حين يكون عليك إطعام أربعة أطفال وكسوتهم. تلك الليلة لم يكن في الثلاجة سوى قطعة خبز يابسة واحدة ادخرتها لهم للصباح. كنت أفكر كيف سأقسمها إلى أربعة أجزاء وأقول إننا سنتناول غداء متأخرا حتى لا يسألوا عن الإفطار.
وفجأة وسط عواء العاصفة الثلجية سمعت طرقا على الباب. طرقا خافتا مترددا. ليس عند البوابة بل على الباب مباشرة. نظرت إلى الساعة الثانية صباحا.
ذهبت إلى النافذة وأزحت الستارة بحذر. خلف الزجاج لم أر سوى ضباب أبيض وثلج متطاير وظلام دامس. لا أضواء سيارات لا ظلال. تكرر الطرق أضعف من قبل كأن الطارق يفقد قوته.
من هناك سألت بصوت منخفض أحاول أن أمنع ارتجافه.
ومن الظلام جاء صوت أجش مسن
يا ابنتي دعيني أبيت الليلة أنا أتجمد
صرخ عقلي ألا أفتح الباب. قصص مخيفة تحذيرات خوف على أطفالي كلها مرت في رأسي. لكن كان في ذلك الصوت شيء لا يمكن تزييفه إرهاق حقيقي واستغاثة
كانت على العتبة امرأة صغيرة منحنية الظهر. مغطاة بالثلج كأنها خرجت للتو من كومة ثلج. وشاحها متجمد في خصلات شعرها الرمادي ومعطفها مبقع بطبقة من الجليد. شفاهها زرقاء من شدة البرد وكانت بالكاد تتنفس. في يدها عصا وفي الأخرى حقيبة كبيرة مهترئة.
قلت تفضلي يا جدة. بهدوء فقط الأطفال نائمون.
دخلت واندفع هواء بارد إلى الداخل. ساعدتها على خلع معطفها المتجمد وقدتها إلى الموقد. فرشت لها بطانيتي القديمة على المقعد. وفجأة تذكرت الخبز.
أحضرته وقدمته لها.
كلي. ليس لدينا غيره.
نظرت إلي طويلا بنظرة غريبة كأنها تحاول أن تحفظ ملامحي وقالت بهدوء
الله سيجازيك.
أكلت قليلا ثم استلقت وهي تضم حقيبتها بإحكام. جلست طويلا قرب الموقد أستمع إلى أنفاسها وإلى الريح خلف النافذة. وفي النهاية غلبني التعب.
في الصباح أيقظني الصمت.
اقتربت من المقعد وفهمت كل شيء فورا. كانت المرأة العجوز ممددة وعيناها مغمضتان كأنها نائمة فحسب. لكن صدرها لم يعد
لكن الأمر الأغرب كان شيئا آخر.
حتى بعد الموت كانت يداها لا تزالان تمسكان الحقيبة بإحكام. بحذر شديد حررت أصابعها وفتحتها.
كان بداخلها مال. كثير من المال مربوط برباط مطاطي. ورسالة.
الخير يعود. شكرا على صنيعك.
جلست على الأرض عاجزة عن تصديق ما أراه
جلست على الأرض والحقيبة مفتوحة أمامي والرسالة ترتجف بين أصابعي.
لم أفرح. لم أصرخ. لم أضحك حتى.
شعرت فقط بثقل هائل يهبط على صدري.
امرأة ماتت في بيتي.
نظرت إلى أطفالي النائمين. كانوا لا يزالون ملتفين حول بعضهم دافئين بأنفاسهم الصغيرة. كيف سأشرح لهم أن هناك جثة في الغرفة المجاورة كيف سأشرح للناس من سيصدقني أنني لا أعرفها
اقتربت منها مرة أخرى. وجهها كان هادئا بشكل غير مريح. كأنها كانت تعرف أن هذه الليلة هي الأخيرة. كأنها اختارت بيتي تحديدا.
ارتديت معطفي وخرجت إلى العاصفة لأطلب المساعدة. الجيران يعيشون بعيدا لكن في مثل هذه الأمور لا يوجد خيار. بعد
تفحصها الطبيب طويلا ثم قال بهدوء
توقف قلب. بسبب البرد والإرهاق. لا توجد آثار عنف.
تنفست للمرة الأولى منذ استيقظت.
لكن الشرطي نظر إلى الحقيبة.
هل تعلمين من هي
هززت رأسي.
فتشوا أغراضها. لم يكن معها أوراق ثبوتية. فقط المال والرسالة
دفنت على نفقة البلدية لكنني ذهبت إلى جنازتها وحدي. وضعت على قبرها قطعة من الخبز الطازج ليس يابسا هذه المرة.
أما المالاعطاني اياه شرطي وقال هذا كانت وصيتها اخيرا كما يبدو من الرسالة
لم ألمسه لعدة أيام. كنت أخافه تقريبا. ثم في النهاية استخدمت جزءا منه لسداد الديون وشراء الحطب والطعام والملابس للأطفال. والباقي وضعته في حساب توفير بأسمائهم.
ذلك الشتاء لم نجع.
ولم يتجمد أطفالي.
وأحيانا عندما تعصف الرياح ليلا أستيقظ وأظن أنني أسمع طرقا خافتا على الباب.
لكنني لم أعد أخاف.
لأنني تعلمت شيئا في تلك الليلة
أحيانا الرعب الذي نخشاه خلف الباب
يكون في الحقيقة رحمة متخفية في هيئة اختبار.
والخير حتى في أبرد الليالي يجد طريقه للعودة