شبيه اخي

لمحة نيوز

ابني الكبير راح مني من ست شهور، ولسه لحد دلوقتي مش قادرة أستوعب إن اسمه بقى يتقال بصيغة الماضي، إيثان كان عنده تماني سنين، ضحكته كانت بتملى البيت، وكان بيصحى بدري عشان يلحق تمرين الكورة مع أبوه، وفي يوم عادي جدًا خرجوا سوا وما رجعش غير واحد بس، عربية نقل خبطت فيهم، جوزي عاش بإصابات خفيفة، لكن ابني مات في ساعتها، وأنا وقتها كنت مكسورة بطريقة ما كنتش أعرف إن البني آدم يقدر يتكسرها، لدرجة إن الدكاترة رفضوا يخلّوني أشوفه وأودّعه وقالوا إني مش مستحملة الصدمة، حسيت إنهم سرقوا مني آخر لحظة كان ممكن ألمس فيها وشه وأقول له بحبك للمرة الأخيرة، الدنيا اسودت في وشي، بقيت بقوم بالعافية، باكل بالعافية، حتى النفس كان تقيل، لكن كان عندي نوح ابني الصغير، خمس سنين، روحي التانية، فكنت لازم أتماسك عشانه، رغم إن الخوف بقى ساكن جوايا ومش بيفارقني، بقيت شايفة الموت في كل زاوية، كل عربية ماشية بسرعة كانت بتخليني أرتعش، وكل مرة نوح يغيب عن عيني دقيقة قلبي يقع، وبعد شهور من القعدة في البيت قررنا نرجّع نوح الحضانة عشان يحاول يعيش طبيعي، لكن أنا ما كنتش طبيعية، كنت بروح

أستناه بدري وبافضل واقفة قدام الباب كأني بحرسه من الدنيا، وفي يوم خرج جاري عليّ وهو بيضحك وقال لي يا ماما إيثان جه شافني وقالك تبطلي عياط، قلبي اتقبض بس حاولت أبتسم وقلت لنفسي ده طفل وبيحاول يفهم الفقد بطريقته، تاني يوم خدته المقابر عشان نزور قبر أخوه، وأول ما قربنا من شاهد القبر وقف وقال لي بس يا ماما إيثان مش هنا، كلامه عمل دوشة في دماغي لكن سكت، ما حبيتش أضغط عليه، قلت يمكن خيال طفل، يمكن اشتياق، لكن بعد يومين رجع من المدرسة وقال لي أنا اتكلمت مع إيثان تاني، ولما سألته قال لي ده سر وقال لي ما أقولكيش، ساعتها الخوف دخل قلبي بجد، مين اللي بيكلم ابني وبيقول له إنه أخوه، تاني يوم رحت المدرسة وطلبت أشوف الكاميرات، كنت بحاول أبقى هادية لكن إيدي كانت بتترعش، فتحوا تسجيل الملعب، وشوفت نوح واقف لوحده الأول، وبعدين في راجل قرب منه وقعد على ركبته قدامه، قلبي وقف لحظة، الصورة ما كانتش واضحة قوي بس الملامح كانت مألوفة بطريقة خلت نفسي يتقطع، لما الصورة قربت حسيت الأرض بتميد بيا، الراجل كان جوزي، كان بيروح المدرسة من غير ما يقول لي، كان بيستأذن من شغله
ويعدي على نوح في الفسحة، وكان بيقول له إنه جاي له برسالة من إيثان، شوفت بعيني وهو بيحضنه وبيهمس له، حسيت بصدمة وغضب ووجع في نفس اللحظة، إزاي يعمل كده، رجعت البيت وأنا مش شايفة قدامي، استنيته ولما دخل سألته من غير لف ودوران، الأول حاول ينكر وبعدين انهار وقال لي إنه مش قادر يعيش بذنب إنه كان سايق يوم الحادثة، وإنه كل يوم بيسمع صوت الفرامل في ودنه، وإنه لما بيشوفني بعيط بيحس إنه هو السبب، ففكر إنه لو نوح حس إن أخوه لسه قريب منه يمكن الألم يخف، قال لي إنه كان فاكر إنه بيحمي ابنه الصغير من الحزن وبيحميني أنا كمان، لكن الحقيقة إنه كان بيهرب من إحساسه بالذنب، اتخانقنا كتير، صرخت فيه وقولت له إنه بيغرس خوف في قلب طفلنا وإنه بيخليه يعيش في وهم، هو قعد يعيط لأول مرة من يوم الحادثة وقال لي إنه مش عارف يطلب المساعدة ومش عارف يسامح نفسه، اللي حصل كسر حاجة بينا بس في نفس الوقت كشف قد إيه إحنا الاتنين غرقانين ومحتاجين نجاة، قعدنا مع نوح بعدها وقلنا له الحقيقة بهدوء، إن بابا كان بيغلط لما قال له إنه جاي من إيثان، وإن أخوه في مكان أحسن وإنه مش بييجي المدرسة،
نوح زعل شوية وقال إنه كان حاسس إن في حاجة غريبة، لكنه حضن أبوه وقال له أنا عارف إنك زعلان عشان إيثان، اللحظة دي خلتني أدرك إن ابني الصغير أقوى مما كنت متخيلة، بدأنا علاج نفسي كأسرة، كل واحد فينا كان شايل جبل فوق صدره، ومع الوقت فهمت إن الحزن لو ما اتعاشش صح بيتحول لوحش، وإن السرية بتكبر الألم بدل ما تصغره، بطلت أهرب من ذكريات إيثان وبقيت أتكلم عنه بصوت عالي، نحط صورته في البيت ونحكي مواقفه ونضحك عليها، بطلت أتعامل مع اسمه كأنه جرح لازم يتغطى، جوزي كمان بدأ يواجه إحساسه بالذنب ويتعلم إن الحوادث قدر مش اختيار، ونوح بقى لما يشتاق لأخوه يقول لي أنا فاكره يا ماما ومش عايزه يختفي من كلامنا، فهمت ساعتها إن إيثان فعلًا مش في القبر بس، هو في قلوبنا وفي تفاصيل يومنا، لكن مش بالشكل اللي يخوف طفل ولا يخليه يعيش في سر، القصة ما كانتش عن شبح ولا معجزة، كانت عن أب مكسور حاول يصلّح غلطته بغلط أكبر، وعن أم تايهة بين الحزن والخوف، وعن طفل صغير علّمنا إن الصراحة أرحم من الوهم، يمكن الألم عمره ما يختفي، لكن اتعلمنا نعيشه من غير ما يكسر اللي فاضل مننا، واتعلمت
إن

تم نسخ الرابط