شبيه اخي

لمحة نيوز

 الوداع الحقيقي ما كانش لحظة قدام جثمان، الوداع الحقيقي كان إني أقبل إنه مش هيرجع، وأسمح لنفسي أعيش وأسيب له مكان دافي جوه قلبي من غير ما أخاف كل ما اسمه يتقال.

بعد اللي حصل ما بقيناش نفس الناس، البيت نفسه حسيت إنه اتغيّر، مش عشان إيثان مش موجود بس، لكن عشان الحقيقة بقت مكشوفة قدامنا كلنا، ما بقاش في أسرار بتتخبى ورا كلمة “عشان مصلحتك”، بقينا بنقعد كل ليلة تقريبًا نتكلم، مش دايمًا عن الحادثة، لكن عن إحساسنا، عن الذنب، عن الغضب، عن الحاجات اللي كنا بنخاف نقولها، جوزي اعترف لي إنه كل مرة كان يغمض عينه بيشوف اللحظة قبل الخبطة بثانية، وإنه كان بيتمنى لو هو اللي يمشي مش ابنه، وأنا اعترفت له إني جوايا جزء كان بيلومه حتى لو عقلي عارف إن ده قضاء وقدر، المواجهة كانت موجعة بس كانت أول خطوة صح، بدأنا جلسات علاج نفسي، الأول كنت فاكرة إن الكلام مش هيغيّر حاجة، لكن اكتشفت إن مجرد إنك تقول الوجع بصوت عالي بيخففه سنة، نوح كمان كان ليه جلسات خاصة، والأخصائية ساعدته يفهم إن الاشتياق مش معناه إن حد هييجي يزوره فعلًا، وإن

الذكريات حاجة جميلة مش حاجة نخاف منها، بالتدريج بقى لما يفتكر أخوه يقول “فاكر لما كان بيضحك كده” بدل ما يقول “هو بييجي لي”، وده فرق كبير، جوزي بطل يروح المدرسة في السر، وبقى ياخد نوح من إيده قدامي وأنا معاه، بقى يحاول يكون حاضر بجد مش هربان، وفي يوم اقترح إننا نعمل حاجة باسم إيثان، مش عشان نعيش في الماضي لكن عشان نحول الحزن لحاجة ليها معنى، عملنا يوم خيري في النادي اللي كان بيلعب فيه كورة، وزعنا أدوات رياضية على أطفال مش قادرين يشتروا، وشوفت في عيون جوزي لأول مرة من شهور لمعة مختلفة، لمعة مش ذنب، لمعة فخر بابن كان طيب ومحبوب، أنا كمان بدأت أرجع أشتغل شوية شوية، مش هروب من البيت لكن رجوع للحياة، كنت كل مرة أضحك أحس بتأنيب ضمير كأني بخونه، لحد ما فهمت إن الحياة مش خيانة، وإن لو إيثان شايفنا أكيد مش عايزنا مدفونين وإحنا عايشين، نوح كبر سنة كمان وبقى يسأل أسئلة أعمق، سألني مرة “هو أنا ممكن أموت فجأة زي إيثان؟” السؤال وجعني بس ما كدبتش عليه، قلت له إننا كلنا في إيد ربنا وإننا بنعمل اللي نقدر عليه عشان نكون بأمان، لكن
ما نقدرش نتحكم في كل حاجة، المهم نحب بعض طول ما إحنا مع بعض، الليلة دي نام في حضني وقال لي “أنا مبسوط إنك ما بطلتيش تيجي تاخديني”، ساعتها فهمت قد إيه حضوري في حياته كان أهم من أي كلام، علاقتي أنا وجوزي اتعرضت لهزة كبيرة، كان في لحظات حسيت إننا ممكن نسيب بعض، لأن كل واحد فينا كان شايف التاني مرآة للي حصل، لكن مع الوقت بقينا نشوف بعض كشريك في النجاة مش شريك في الجريمة، بقينا لما نفتكر إيثان نفتكره سوا، مش كل واحد لوحده في أوضة مقفولة، بقينا نزوره المقابر من غير ما نقول “هو مش هنا” ولا “هو هنا”، بقينا نقول “إحنا جايين نقولك إننا لسه فاكرينك”، وده كان كفاية، في ذكرى وفاته الأولى عملنا عشاء بسيط في البيت، حطينا صورته وضحكنا على مواقف قديمة، بكينا شوية وضحكنا شوية، ونوح قال جملة عمرها ما هتنسى “هو مش معانا على الترابيزة، بس هو سبب إننا قاعدين سوا”، اللحظة دي حسستني إن ابني الصغير اتعلم من الألم حكمة ناس كبيرة، ويمكن دي كانت الرسالة الحقيقية اللي لازم نوصلها لنفسنا، إن الموت خطف مننا طفل، لكن ما يخطفش قدرتنا نحب، ولا
يخطف قدرتنا نكمل، يمكن الجرح هيفضل موجود طول العمر، يمكن كل ما أسمع صوت فرامل عربية قلبي يدق أسرع، ويمكن كل ما أشوف ولد في سنه عيني تدمع، لكن بقيت عارفة إن الحزن مش لازم يكون سجن، ممكن يكون ذكرى بنحملها برفق، وإيثان ما بقاش اسم ممنوع في البيت، بقى نور صغير بنشعله كل ما نفتكره، وجوزي بقى لما يحس بالذنب يقولي بدل ما يستخبى، وأنا لما أخاف أقول بدل ما أبتسم ابتسامة مزيفة، ونوح بقى فاهم إن أخوه مش هييجي المدرسة تاني، لكن حبه ليه مش هيختفي، ومع الأيام بدأت أحس إن قلبي اللي كان متقسم نصين بيتخيط بهدوء، مش زي الأول، فيه أثر، فيه علامة واضحة، بس قادر يدق تاني، وقادر يحب، وقادر يعيش، ويمكن ده كان أصعب درس اتعلمته في حياتي، إن الفقد مش نهاية القصة، لكنه فصل قاسي منها، وإن إحنا اللي بنختار نكمل إزاي، يا إما نفضل واقفين عند لحظة الخبطة، يا إما نمشي لقدام شايلين ذكرى اللي راح من غير ما نسيبها تكسر اللي فاضل، وإحنا اخترنا نمشي، خطوة صغيرة كل يوم، بإيدين ماسكين في بعض، وباسم ابننا محفور في قلبنا مش كجرح مفتوح، لكن كحب ما بيموتش.

تم نسخ الرابط