بعد ما خلصت من المحكمة وورقة الطلاق بقت في إيدي رسمي، كنت فاكرة إن القصة خلصت عند كده، لكن الحقيقة إن بعض النهايات بتبقى مجرد بداية لفصل تاني أعمق وأقسى وأصدق، لأن الكرامة لما بترجعلك بعد ما كانت متاخدة منك سنين، بتبقى محتاجة وقت تتعلم تمشي بيها من غير خوف، الأيام الأولى بعد الحكم كانت غريبة، صحيت أول يوم من غير ما أسمع صوت ناهد وهي بتنادي من الصبح ولا حازم وهو بيتحجج بأي سبب عشان يزعق، البيت اللي نقلت له كان صغير، شقة إيجار مفروشة في الدور الرابع من غير أسانسير، بس كان فيه حاجة أهم من المساحة، كان فيه هدوء، هدوء حقيقي يخليك تسمع نفسك، وده كان جديد عليا، في الأول كنت كل ما الموبايل يرن قلبي يدق بسرعة، متعودة إن أي رنة وراها مشكلة أو تحقيق أو لوم، لكن مع الوقت بدأت الرنات تبقى شغل، صحاب، ضحك، مفيش حد بيحاسبني على نفسي، ركزت في شغلي أكتر، كنت طول عمري شاطرة بس دايمًا في حد بيقلل مني، لما شفت تقدير مديري ليا لأول مرة من غير ما حد يهمس في ودني إني “عملية زيادة عن اللزوم”، حسيت إن الكلمة اللي كانت شتيمة بقت ميزة، العملية دي خلتني أطلع فكرة مشروع صغير كنت بأجلها، بدأت أبيع أونلاين منتجات يدوية بعملها بإيدي، حاجة بسيطة
بس كانت بتكبر كل أسبوع، ولأول مرة فلوس تيجيلي من مجهود أنا بس، من غير ما حد يقوللي “إنتي أصلاً بتصرفي من فلوسنا”، بعد حوالي ست شهور، كنت واقفة في نفس منطقة الزمالك عشان أقابل عميلة، وقفت لحظة قدام نفس المطعم اللي حصل فيه كل حاجة، قلبي خبط مرة واحدة، بس مش خوف، ذكرى، افتكرت العصير وهو بينزل على وشي، والسكوت اللي قطع المكان، وافتكرت كمان اللحظة اللي قلت فيها “تمام أوي”، ابتسمت ودخلت المطعم، مش عشان أواجه حد، لكن عشان أواجه نفسي القديمة، نفس الإضاءة الخافتة، نفس الطاولات، بس أنا كنت مختلفة، قعدت وطلبت أكلي بنفسي، اخترت كل حاجة بمزاجي، ولما الفاتورة جت، دفعتها وأنا راضية، مش عشان حد أجبرني، لكن عشان أنا اللي قررت، وأنا خارجة، شفت ناهد قاعدة على طاولة بعيدة مع ستات شكلهم من صحباتها، أول ما عيني جات في عينها، اتجمدت، واضح إنها ماكنتش متوقعة تشوفني هنا تاني، حاولت تبص بعيد، بس ماقدرتش، قمت مشيت ناحيتها بهدوء، وقفت قدامها وقلت: “مساء الخير يا مدام ناهد”، صوتي كان ثابت بطريقة خلتها تتلخبط، ردت بتحفظ: “أهلاً يا نور”، الستات حواليها كانوا باصين بفضول، قلت بابتسامة بسيطة: “كنت بس حابة أقول لحضرتك حاجة، اللي حصل يومها كان أحسن
حاجة حصلتلي، لأن لو ماكنش حصل، كنت لسه عايشة في وهم، فشكرًا”، وشها احمر، ومقدرتش ترد، ومشيت قبل ما تلاقي كلام تجرحني بيه، وأنا خارجة حسيت إن دايرة اتقفلت رسميًا، بعد شهور تانية، مشروعى كبر أكتر، وبدأت أشارك في معارض، وفي معرض من المعارض الكبيرة، كنت واقفة أشرح لزبونة عن منتج معين، ولقيت صوت مألوف بيناديني باسمي، لفيت لقيت حازم، كان شكله مختلف، مش الثقة المتعجرفة اللي كنت أعرفها، فيه انكسار خفيف في عينيه، قال: “نور، ممكن دقيقة؟” بصيت له بهدوء وقلت: “اتفضل”، وقفنا على جنب، قال إنه غلطان، وإنه خسر كتير بعدي، شغله اتأثر، علاقته بأمه بقت متوترة، وإنه فهم متأخر إن اللي كان بيعمله كان قلة قيمة، سألني لو في فرصة نرجع، ابتسمت بحزن خفيف وقلت: “إنت فاكر المشكلة كانت في فرصة؟ المشكلة كانت في احترام، والاحترام لما بيتكسر قدام الناس صعب يتصلح”، حاول يتكلم تاني، بس قلت له بلطف: “أتمنى لك الخير، بس بعيد عني”، ومشيت، المرة دي مفيش عصير، مفيش تهديد، مفيش جمهور، بس كان في انتصار هادي جوايا، بعدها بفترة قصيرة جالي عرض شراكة من واحدة ست أعمال شافت شغلي وعجبها، كبرنا المشروع سوا، وبقى عندي فريق صغير بيدير معايا، بقيت أوظف بنات لسه خارجين
من تجارب قاسية، وكل مرة واحدة فيهم تحكيلي إنها كانت ساكتة سنين، أفتكر نفسي وأقولها: “أهم قرار هتاخديه في حياتك إنك ماتدفعيش فاتورة إهانة مش بتاعتك”، أمي كانت بتبصلي بفخر وتقوللي إن وشّي نور فعلًا زي اسمي، وفي يوم وأنا قاعدة مع نفسي في البلكونة الصغيرة بتاعة شقتي الجديدة اللي اشتريتها باسمي، افتكرت السؤال اللي كان بيطاردني زمان: “هو أنا استاهل معاملة أحسن؟” والنهارده كنت عارفة الإجابة، آه أستاهل، وأي حد يرضى بأقل من كرامته بيخصم من روحه قبل ما يخصم من جيبه، اللي حصل في المطعم كان شرارة، والشرارة دي ولعت طريق كامل قدامي، يمكن ماكانش الطريق سهل، ويمكن بكيت ليالي كتير لوحدي، لكن كل دمعة كانت بتنضف جرح قديم، وكل خطوة كنت باخدها بعيد عن الإهانة كانت بتقربني من نفسي أكتر، ويمكن أهم حاجة اتعلمتها إن الطلاق ماكانش نهاية أسرة، كان نهاية استهتار، وإن الست لما تقول “كفاية” بجد، الدنيا كلها بتسمع حتى لو حاولوا يسكتوها، والنهارده لو حد سألني عن أغلى فاتورة دفعتها في حياتي، هقولهم كانت لحظة صمت قبل كلمة “تمام أوي”، لأنها كانت الفرق بين حياة عايشة فيها مكسورة، وحياة أنا اللي ماسكة زمامها ومقفلة كل الأبواب اللي كانت مفتوحة على وجع.