اتجبرت الخادمة
اتجبرت الخادمة تركع وتعتذر في نص القاعة قدام كل الضيوف…
كل ده لمجرد إنها رفعت عينيها وبصّت في عين صاحب القصر.
لكن اللي محدش كان يتخيله إن بعد دقايق قليلة بس… الملياردير نفسه يمشي ناحيتها، ويمد إيده لها قدام مراته وكل الحاضرين.
أول حاجة أي حد كان بياخد باله منها أول ما يدخل قصر عيلة فيريللي كانت السقف.
سقف عالي جدًا… كأنه فوق القاعة بتلات أدوار كاملة، مرسوم عليه رسومات قديمة بالدهبي ومشاهد أسطورية باهتة، وماسكينه أعمدة رخام ضخمة جاية من إيطاليا. النوع اللي الأغنيا يحبوا يتفاخروا بيه وهم واقفين بكاسات الشمبانيا.
تاني حاجة كانت السلم الكبير اللي في نص القاعة.
سلم مقوس وشكله فخم جدًا… بس واضح إنه معمول للمنظر بس، عشان الناس تنزل منه في دخول استعراضي.
الحقيقة إن كل حاجة في القصر ده كانت معمولة عشان تتبصّ… مفيش حاجة موجودة من غير ما تكون معمولة عشان تبهر اللي حواليها.
في ليلة حفلة كبيرة في الشتاء، القاعة كانت منورة تحت نجف ضخم قد مراكب صغيرة.
فرقة موسيقى بتعزف من البلكونة اللي فوق، والرجالة ببدل رسمية والستات بفساتين حرير بيتحركوا بهدوء في مجموعات، يتكلموا عن صفقات وشركات وانتخابات… وعن ناس مش موجودين أصلاً.
أما الخدم… فكانوا بيتحركوا بينهم بهدوء شديد، لابسين أسود في أبيض، كأنهم جزء من ديكور المكان.
موجودين… ولازم يكونوا موجودين… لكن المفروض مايبقاش ليهم أي وجود واضح.
ومن بين الخدم دول كانت كلارا بيل.
كلارا عندها ٢٢ سنة ولسه متعينة قريب.
لسه جديدة لدرجة إنها أحيانًا بتتردد قبل ما تفتح الأدراج الفضية في غرفة الفطار.
هي أصلًا جاية من حياة بسيطة جدًا:
أوضة إيجار فوق مخبز،
وأم مريضة في بلدة صغيرة بعيد شوية،
وشغلانات كتير كلها انتهت بنفس الطريقة… شغل كتير، فلوس قليلة، والناس بتنسى اسمها أول ما تمشي.
لما اشتغلت في القصر ده… في الأول حسّت إن الدنيا ابتسمتلها أخيرًا.
المرتب ثابت، المكان دافي، وحتى المغسلة فيها رفوف منفصلة لملايات فرنسي وملايات أيرلندي… حاجة عمرها ما كانت تعرف إن في ناس تقدر تفرق بينهم أصلاً.
لكن الحقيقة إن بيوت الأغنيا غالبًا بتبقى منظمة زيادة عن اللزوم…
كل حاجة فيها قوانين وحدود لازم الكل يعرفها كويس.
صاحب القصر نفسه، أدريان فيل، ماكانش بيظهر كتير.
راجل عنده ٤٢ سنة، ملياردير معروف، عنده شركات شحن وموانئ ومراكز بيانات واستثمارات في نص العالم.
نص وقته بيقضيه بين لندن وسنغافورة ونيويورك… أو على طيارة رايح من مدينة للتانية.
الخدم في القصر كانوا بيتكلموا عنه بحذر شديد.
في ناس تقول إنه أبرد من أبوه اللي مات،
وناس تقول إنه مش قاسي… بس مايهتمش بحد.
وفي ناس تقول إن اللامبالاة من راجل قوي
كلارا شافته أربع مرات بس قبل الليلة دي، وكل مرة من بعيد.
كان عنده عيون فاتحة وهادية… وطريقة غريبة يخليه يلاحظ تفاصيل صغيرة محدش بياخد باله منها.
أما مراته فيفيان… فكانت مختلفة تمامًا.
ست طويلة وجميلة، ولبسها دايمًا شيك بشكل مبالغ فيه.
كانت ماشية في القصر كأنها صاحبة الحكم فيه.
تعرف مكان كل حاجة…
تعرف مين من الطباخين بوّظ الأكل،
تعرف أي ضيف محتاج مجاملة،
وحتى الخادمة اللي طوت المناديل بطريقة غلط.
ابتسامتها ما كانتش دافية…
كانت زي ابتسامة سكينة لامعة.
بالنسبة للضيوف كانت مثال للأناقة…
لكن بالنسبة للخدم كانت مصدر خوف.
وفي الليلة دي… كلارا عملت غلطة صغيرة.
كانت شايلة صينية شمبانيا وماشية بيها في القاعة،
وفجأة خادم صغير خبط فيها بالغلط وكاد يوقع الكاسات.
كلارا لحقت الصينية في آخر لحظة.
الناس في القاعة ماخدتش بالها.
لكن أدريان فيل خد باله.
كان واقف جنب المدفأة مع اتنين من رجال الأعمال ومراته… وبص ناحيتها.
يمكن كان بس بيشوف اللي حصل وخلاص.
ويمكن ماكانش هيحصل أي حاجة لو كلارا نزلت عينيها بسرعة… زي ما أي خادم بيتعلم يعمل.
لكن الصينية كانت تقيلة، وقلبها بيدق بسرعة.
وفي لحظة صغيرة جدًا…
رفعت عينيها وبصتله.
بس نظرة عادية…
نظرة إنسان لإنسان لما يتفاجئ.
لكن في البيوت اللي
الحاجات البسيطة أحيانًا بتتبان تمرد.
وفيفيان… شافت النظرة دي.
ما اتكلمتش فورًا.
فضلت تبتسم شوية، وتكمل كلامها مع الضيوف، وتشرب رشفة من الكاس…
وبعدين فجأة حطت الكاس على الترابيزة وقالت بصوت هادي:
"انتي… وقفي."
المزيكا ماوقفتش…
بس الناس اللي حوالينها سكتوا.
كلارا وقفت مكانها والصينية لسه في إيديها.
فيفيان قربت منها ببطء وقالت:
"حد علمك يعني إيه تعرفي مقامك في البيت ده؟"
حلق كلارا نشف.
وقالت بتوتر:
"أنا… آسفة يا مدام."
فيفيان قالت ببرود:
"النظرة اللي بصيتيها دي… الجريئة دي."
احمر وش كلارا وقالت بسرعة:
"أنا ماقصدتش—"
قاطعتها فيفيان وقالت:
"انتي بس نسيتي انتي مين."
الكلام اتقال بهدوء… لكنه كان جارح جدًا.
الضيوف سكتوا.
واحدة خفضت نظرها، وواحد بقى يبص في كاسه…
لكن محدش اتكلم.
فيفيان بصت لمدير الخدم وقالت:
"يا مستر لاثام."
الراجل قرب فورًا.
"أمرك يا مدام."
قالت:
"البنت دي محتاجة تتعلم الأدب."
كلارا شدّت إيديها على الصينية وقالت:
"يا مدام والله ماقصدتش أي قلة احترام."
فيفيان قالت ببرود:
"لو كده… وري كل الناس إنك عارفة الاحترام بيتعمل إزاي."
مدير الخدم أخد الصينية من إيدها.
القاعة بقت هادية جدًا.
وفجأة فيفيان قالت كلمة واحدة:
"اركعي."
كلارا افتكرت إنها سمعت غلط.
لكن واضح إن محدش غيرها
المدير وشه شحب.
وخادمة كبيرة غمضت عينيها لحظة…
وضيف كتم شهقة صغيرة.
بس برضه… محدش اتكلم.