انا اللي دفعت مصاريف فرح اختي
أنا عمري ما قلت لأهلي إني أنا اللي دفعت الـ 2 مليون جنيه مصاريف فرح أختي على جزيرتي الخاصة.. هما كانوا فاكرين إن أهل العريس هما اللي أغنياء للدرجة دي. في وسط الحفلة، بنتي اللي عندها 8 سنين دوست بالغلط على فستان الفرح، أختي راحت زقاها من فوق "تراس" ارتفاعه 2 متر. ولما جيت أطلب الإسعاف، أمي ضربتني بالقلم وهي بتوشوش بـ غل: "بطلي تبوظي يومها يا فاشلة يا غيورة." وأبويا فضل يضرب بنتي على وشها وهو بيزعق: "قومي.. بطلي تمثيل!" في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا سكتت تماماً. عملت مكالمة واحدة: "إلغوا الفرح." وبعدين شلت بنتي بين إيديا ومشيت، وسبتهم واقفين وسط حفلة هما أصلاً ما يستاهلوهاش.
القصة بدأت قبل كده بسنين. أنا "إيناس"، البنت الكبيرة في عيلة عمرها ما شافت فيّ غير الفشل. من يوم ما اتطلقت وأنا حامل في بنتي "مريم"، بقى اسمي في البيت "المصيبة". أمي كانت دايماً تقارنّي بأختي الصغيرة "سارة". سارة الجميلة، سارة الاجتماعية، سارة اللي "تعرف تختار رجالة". أما أنا، فكنت بالنسبة لهم مجرد أم عزباء شغالة محاسبة في شركة صغيرة. محدش فيهم كان يعرف إن الوظيفة الصغيرة دي كانت مجرد غطاء لحياتي الحقيقية.
بعد طلاقي، اختفيت تقريباً من حياتهم. اشتغلت بصمت. دخلت شراكات صغيرة، استثمرت في شركات سياحة، وبعدها في مشاريع عقارية خارج مصر. أول مشروع نجح، وبعده التاني، وبعده سلسلة نجاحات محدش كان يتخيلها. كنت بحارب عشان مريم، عشان مستقبلها. وفي خلال سبع سنين بس، بقى عندي ثروة تكفي إني أشتري جزيرة سياحية صغيرة في المالديف ضمن مجموعة استثمارية. بس فضلت مخبية ده كله عن
لما سارة أعلنت إنها هتتجوز "خالد"، البيت كله اتقلب. أمي كانت بتتباهى قدام الناس إن العريس "مليونير خليجي". أبويا كان ماشي في الشارع رافع راسه. وكل شوية يقولوا: "شوفتي؟ أختك عرفت تختار راجل بجد." ساعتها قررت أعمل حاجة محدش يتوقعها. كلمت مديري في الشركة اللي بتدير الجزيرة، وقلت لهم يحجزوا الجزيرة بالكامل أسبوع لحفل زفاف خاص. دفعت كل التكاليف من غير ما حد يعرف. وبعتت دعوة رسمية باسم شركة إدارة المنتجع للعريس، وكأنها هدية من شركته. كل حاجة اتنظمت بدقة. الطيارات الخاصة، الفلل الفخمة، الحفلة، الموسيقى، الفستان اللي وصل تمنه مئات الآلاف. كل ده وأنا واقفة بعيد، ساكتة، بتتفرج عليهم وهما مقتنعين إن خالد هو اللي عامل ده كله.
يوم الفرح كان المكان شبه حلم. البحر أزرق صافي، الرمال بيضا، الطاولات متغطية بالحرير، والشموع مضيئة التراس الخشبي اللي معمول فوق الشاطئ. وأنا واقفة في ضل مركب، ماسكة كوباية ميه، وبراقب أهلي وهما غرقانين في رفاهية فاكرين إنها جاية من العريس. أمي كانت بتتفاخر قدام المعازيم، تقول: "جوز بنتي مأجر الجزيرة كلها… اتنين مليون دولار بس للحفلة." وأبويا يهز راسه بإعجاب كأنه هو اللي دفعهم.
مريم كانت بتجري على الشاطئ وتضحك. كانت مبسوطة بالبحر والأنوار. طفلة بريئة مش فاهمة الكراهية اللي حواليها. لما قربت من التراس، اتكعبلت في ديل فستان سارة الطويل. الصوت لما الفستان اتقطع كان زي شرارة في بارود. سارة فقدت أعصابها في لحظة. صرخت بصوت
صرخت وجريت. قلبي كان هيقف لما شفتها مرمية بلا حركة والدم نازل من جبينها. صرخت أطلب دكتور. لكن بدل ما يساعدوني، أمي ضربتني بالقلم قدام الناس. أبويا حاول يقوم مريم بعنف وهو بيقول إنها بتمثل. اللحظة دي غيرت كل حاجة جوايا. كأن سنين الذل كلها اتجمعت في ثانية واحدة. شلت بنتي بين إيديا، ودمها على فستاني، وبصيت لهم ببرود لأول مرة في حياتي. بعدها طلعت موبايلي وكلمت مديري: "ماركوس… فعل كود ريد. إلغاء كامل."
ماعداش خمس دقايق. فجأة الموسيقى سكتت. الأنوار اتطفت. موظفي المنتجع بدأوا يتحركوا بسرعة. مدير الجزيرة نفسه ظهر على التراس ومعاه الأمن. أعلن بهدوء قدام كل الضيوف إن الحفل انتهى وإن الجزيرة هتغلق فوراً لأسباب إدارية. أمي صرخت: "إزاي؟ ده فرح بنتي!" سارة كانت بتعيط على الفستان المقطوع. خالد نفسه كان مصدوم. سأل الموظفين: "إيه اللي بيحصل؟ أنا دافع ملايين هنا!" المدير رد بهدوء: "عذراً يا سيدي… الحجز تم إلغاؤه بواسطة المالكة."
كل العيون اتلفتت حوالين المكان. وأول مرة في حياتهم… بصوا عليّا. كنت واقفة شايلة مريم، والدم على إيدي. المدير قرب مني باحترام وقال: "هل نطلب الطائرة الطبية الآن يا مدام إيناس؟" الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل لدرجة إن صوت البحر بقى واضح. أمي فتحت بقها ومقدرتش تتكلم. أبويا وشه اصفر. سارة بصتلي وكأنها شايفة شبح. خالد سأل بتوتر: "إيناس… مالكة إيه؟"
رديت ببساطة وأنا ماشية ناحية الرصيف:
في أقل من ساعة كانت طائرة الإسعاف وصلت. نقلوا مريم للمستشفى الخاص في العاصمة القريبة. الحمد لله كانت مصابة بارتجاج وكسر بسيط في الذراع، لكنها بخير. أما أهلي… ففضلوا واقفين على الجزيرة بعد ما كل الترتيبات اتلغت. الطائرات الخاصة اتسحبت، الحجوزات اتقفلت، وحتى الفندق رفض استقبالهم لأن الحجز الأساسي انتهى.
بعد يومين رجعت أشوفهم. مش عشان أنتقم… لكن عشان أقفل الصفحة. كانوا قاعدين في بهو الفندق القريب بملابس الحفلة نفسها، منهكين ومكسورين. أمي أول ما شافتني حاولت تعتذر. أبويا فضل ساكت. سارة كانت بتبكي. بس المرة دي، أنا اللي كنت هادية.
قلت لهم ببساطة: "أنا دفعت تمن الفرح… وتمن الجزيرة… وكل حاجة هنا. مش عشان أرضيكم… لكن عشان أتأكد إنكم هتظهروا حقيقتكم." بصيت لهم واحد واحد وقلت: "والحقيقة ظهرت."
بعدها سبت لهم مفاتيح العودة لمصر وتكفلت بتذاكر سفرهم… ومشيت.
رجعت لحياتي… لحياتي اللي بنيتها بنفسي. ومريم لما كبرت شوية وسألتني ليه عمرنا ما بنزور جدي وجدتي، قلت لها جملة واحدة بس:
"في ناس يا مريم… القرابة بينهم دم، لكن الإنسانية بينهم صفر."
بعد ما سيبت لهم مفاتيح العودة لمصر وتكفلت بتذاكر سفرهم… ومشيت، كنت فاكرة إن القصة خلصت. لكن الحقيقة إن اللي حصل بعدها كان أصعب بكتير. رجعت للمستشفى عند مريم، وكانت نايمة بهدوء ودرعها متجبس ورافعينه فوق مخدة. أول ما شافتني فتحت عينيها الصغيرة وقالت بصوت ضعيف:
"ماما… أنا بوظت الفرح؟"
الجملة دي كسرت قلبي أكتر من أي حاجة حصلت. قعدت جنبها ومسكت إيديها وقلت لها بهدوء:
"لا يا حبيبتي… إنتي ما بوظتيش