حمـاتي جـت تـبارك لـي عـلى الشـقة الجـديدة، وهـي مش عارفـة إن إبـنها بـاع العـفش وهـرب بفلوسـنا وسـابني على البلاط.. بـس أول ما عـينها جت في عـيني، عـرفت إن المستور انكشف. كانت الحاجة فوزية جاية ومعاها طقم حلل جرانيت هدية، فاكرة إن ابنها هاني لسه السند والضهر اللي بيعمر البيت، وماكنتش تتخيل لحظة إن المحروس باع حتى اللحاف اللي بنتغطى بيه عشان يسافر مع شلة الأنس ويسيبني أنا وعياله للريح. كان ليل شتا قاسي، والمطر بيخبط على الشيش وكأنه بيطردنا من البيت، وأنا قاعدة في الصالة الفاضية فارشة بطانية قديمة على الأرض، ومولعة كلوب صغير لأن النور اتقطع بسبب الفواتير المتأخرة. ابني زياد كان نايم من كتر العياط، وبنتي سما قاعدة جنبي بتسألني كل شوية: يا ماما هو بابا خد التلفزيون والكنب وداهم فين؟ قلبي كان بيتقطع، بس ماكانش عندي إجابة أقولها لطفلة عندها سبع سنين. البيت اللي كنت بلم فيه القرش فوق القرش عشان أفرشه بقى أربع حيطان صم، حتى النجفة اللي كنت بفرح بيها أول ما اتعلقت في السقف اختفت، والكنبة اللي كنت بقعد عليها أحكي
مع هاني عن أحلامنا اتباعت هي كمان. لما فتحت الباب للحاجة فوزية، دخلت وهي مبتسمة ابتسامة واسعة، بتبص حواليها بثقة الأم اللي شايفة إن ابنها راجل بيعرف يبني بيت ويشيل مسؤولية، لكن أول ما عينيها جت في عيني ولفت نظرتها حوالين الصالة الفاضية، ابتسامتها وقعت كأن حد مسحها بإيده. سما جرت عليها وهي فرحانة وقالت: تيتة! بابا خد سريري ومشي. الحاجة فوزية ضحكت ضحكة خفيفة وقالت: لا يا حبيبتي، أكيد بيجدد الأوضة. لكن الضحكة ماتت بسرعة لما بصت للسقف الفاضي والأرض الباردة. سألتني بصوت بدأ يتغير: العفش فين يا منى؟ بلعت ريقي بصعوبة وقلت: اتباع. اتسعت عينيها وقالت: اتباع؟ مين اللي باعه؟ قلت لها بهدوء موجوع: ابنك. طلعت الوصلات اللي كنت لاقياها في جيبه قبل ما يختفي، ومديت لها الرسالة اللي سابها لي تحت المخدة، الرسالة اللي قال فيها إنه عايز يبدأ حياته من غير قيود وإن العفش حقه لأنه هو اللي دفع تمنه. الحاجة فوزية قرأت الورقة وإيديها بتترعش، للحظة حسيت إن قلبها هينكسر زيه زي قلبي، لكن فجأة رفعت راسها وصرخت في وشي: أكيد أنتي اللي طفشتيه!
أنتي اللي نكدتي عليه! ابني ما يعملش كده! في اللحظة دي فهمت إن المشكلة أكبر من هروب هاني، المشكلة إن أمه مستعدة تدفن الحقيقة عشان تحمي صورته. حسيت بغصة كبيرة، بس لأول مرة ما بكيتش، بصيت لها وقلت بهدوء: لو أنا السبب، ليه خد فلوس العيال من الحصالة؟ وليه باع سريرهم؟ سكتت لحظة، لكن كبرياءها منعها تعترف. فضلت تصرخ وتقول إن أكيد في حاجة مستخبية. وأنا واقفة قدامها حاسة إني تعبت من الدفاع عن نفسي. في اللحظة دي خرج زياد من الأوضة مفزوع وقال: ماما أنا بردان. الحاجة فوزية بصت لحفيدها وهو واقف حافي على البلاط، ووشه أصفر من البرد. المنظر ده كسر حاجة جواها، قعدت على الأرض فجأة وكأن رجليها ما شالتهاش. بصت حواليها في البيت الفاضي وقالت بصوت مبحوح: يعني ابني عمل فيكم كده بجد؟ ما رديتش، لأن الحقيقة كانت واضحة حوالينا. سكتنا شوية، وصوت المطر بس هو اللي مالي المكان. بعد لحظات قامت الحاجة فوزية ببطء، ومسحت دموعها، وبصت لي وقالت: أنا غلطت لما اتهمتك. لكن الغلطة الأكبر إني ربيت راجل يعمل كده في مراته وعياله. ما توقعتش الكلام ده
منها. راحت ناحية سما وزياد حضنتهم، وبعدها خرجت من غير ما تقول كلمة تانية. الليلة عدت تقيلة، بس تاني يوم الصبح حصل شيء ما توقعته. باب الشقة خبط تاني، لما فتحت لقيت رجالة شايلين سريرين وكنبة صغيرة وتلاجة. وراهم الحاجة فوزية واقفة. قالت لي بهدوء: العفش ده من بيتي… وهعيش أنا كمان هنا معاكم لحد ما أعرف أجيب ابني من تحت الأرض. حاولت أقول لها إن ده مش لازم، لكنها قاطعتني وقالت: العيال دول دمي… ودمهم مش هينام على البلاط. الأيام عدت، ووجودها في البيت غير حاجات كتير. كانت بتصحى بدري تجهز الفطار للولاد، وتفضل تدور على هاني في كل مكان، تسأل صحابه وأصحاب صحابه. بعد شهر كامل وصلها خبر إنه سافر فعلاً وصرف الفلوس في سهر وسفر. يوم ما عرفت، قعدت تبكي لأول مرة قدامي. قالت لي: كنت فاكرة إني ربيت راجل… طلع ربيت أناني. بعدها مسحت دموعها وقالت جملة ما نسيتهاش طول عمري: الراجل الحقيقي مش اللي يسيب بيته… الراجل الحقيقي اللي يرجع يصلح اللي كسره. وبعد ست شهور كاملة، في ليلة هادية، الباب خبط تاني. لما فتحته لقيت هاني واقف قدامي…