حماتي ل نور محمد

لمحة نيوز

 وشه مرهق، هدومه متبهدلة، وعينيه مليانة خوف وندم. بص ورايا شاف أمه قاعدة مع ولاده على الكنبة اللي جابتها من بيتها. ساعتها فهم إن الدنيا مشيت من غيره، وإن البيت اللي هرب منه… قدر يعيش بدونه. وقف ساكت لحظة وبعدين قال بصوت مكسور: أنا غلطت. لكن المرة دي… ما كانش القرار بإيدي لوحدي، لأن سما وزياد كانوا واقفين جنبي، وأمه كانت بتبص له بنظرة ما فيهاش حنية… نظرة أم اكتشفت متأخر إن ابنها لازم يتعلم إن الرجولة مش كلام، الرجولة مسؤولية.

وقف هاني على باب الشقة وهو باصص لجوه كأنه داخل مكان غريب عنه، مع إن ده البيت اللي كان بيقول زمان إنه هيموت عشان يبنيه. هدومه كانت مكرمشة، دقنه طالعة، وعينيه فيها نظرة حد اتكسر من جوه. سما أول ما شافته استخبت ورايا، وزياد شد في هدومي وقال بصوت واطي: "ماما… ده بابا؟". السؤال كان بسيط، لكن وجعه كان كبير. هاني حاول يبتسم وقال: "أيوه يا زياد… أنا بابا." لكن الكلمة خرجت منه ضعيفة كأنها مش واثق إنه يستحقها. الحاجة

فوزية كانت قاعدة على الكنبة اللي جابتها من بيتها، أول ما شافته قامت ببطء، بصت له نظرة طويلة، نظرة أم بتقلب عمر كامل قدامها في لحظة. قال بصوت مكسور: "يا أمي…". لكن قبل ما يكمل كلامه رفعت إيديها وسكّتته. قالت بهدوء تقيل: "إوعى تناديني يا أمي دلوقتي… الأم اللي ربت راجل ما بيبيعش سرير عياله عشان يسهر ويهرب." الكلمات نزلت عليه كأنها صفعة. حاول يقرب خطوة لجوه، لكن الحاجة فوزية وقفت قدامه وقالت: "قبل ما تدخل البيت ده… جاوبني. العيال دول كانوا هيعيشوا إزاي؟". هاني سكت، وبص للأرض، كأنه بيدور على كلمة تنقذه. قال بعد لحظة: "أنا… اتخدعت في صحبة… وفلوسي خلصت… وماكنتش عارف أرجع." ضحكت أمه ضحكة قصيرة مليانة مرارة وقالت: "فلوسك خلصت؟ طب وكرامتك خلصت إمتى؟". الصمت كان تقيل، وأنا واقفة بينهم حاسة إن اللحظة دي ممكن تغير كل حاجة. هاني بص لي وقال: "منى… أنا عارف إني غلطت… بس أنا رجعت عشان أصلح اللي عملته." حسيت قلبي بيتقبض، لأن الجزء اللي جوايا اللي كان
بيحبه لسه موجود رغم كل شيء. لكن لما بصيت لولادي وهم واقفين خايفين منه، فهمت إن الحب لوحده ما يكفيش. قلت له بهدوء: "التصليح مش كلام." فضل واقف شوية وبعدين قال: "أنا لقيت شغل… وبدأت أجمع فلوس… وعايز أرجع البيت." الحاجة فوزية بصت له بحدة وقالت: "البيت ده بقى واقف من غيرك… أنا اللي بجيب الأكل… ومنى اللي بتصرف على العيال… وإنت كنت فين؟". دموع هاني نزلت لأول مرة وقال: "كنت بضيع يا أمي." سكتت لحظة، وبعدين قالت: "واللي يضيع نفسه… ما يضيعش عياله معاه." بعد لحظات من الصمت، سما خرجت من ورايا وبصت له بحذر وقالت: "بابا… ليه خدت سريري؟". السؤال ده كسر الباقي منه. قعد على ركبته قدامها وقال بصوت متقطع: "عشان كنت غبي يا سما… بس أنا آسف." البنت فضلت باصة له شوية، وبعدين قالت: "أنا كنت بردانة." الجملة البسيطة دي خلت حتى الحاجة فوزية تمسح دموعها. هاني مد إيده عايز يحضنها، لكنها رجعت خطوة لورا. الموقف ده خلاه يفهم إن الطريق للغفران طويل. الأيام اللي بعد
كده كانت اختبار حقيقي. هاني ما رجعش يعيش في الشقة، لكنه بدأ ييجي كل يوم بعد الشغل يساعد في أي حاجة. يصلح حاجة بايظة، يشتري طلبات، يقعد مع زياد يذاكر. الأولاد كانوا مترددين، وأنا كمان كنت حاطة بيني وبينه حيطان من الحذر. الحاجة فوزية كانت بتراقب كل حاجة بصمت، كأنها القاضي اللي هيقرر الحكم في النهاية. بعد شهور من المحاولات، بدأت الثقة ترجع حبة حبة. زياد بقى يستناه على الباب، وسما مرة وافقت تمسك إيده وهي نازلة السلم. في ليلة هادية، كنا قاعدين كلنا ناكل على الترابيزة الصغيرة اللي اشتريناها بدل القديمة. هاني بص حوالينا وقال بهدوء: "أنا يمكن ما أقدرش أمحي اللي عملته… بس أوعدكم عمري ما هكرر الغلطة." الحاجة فوزية بصت له وقالت: "الوعد الحقيقي مش بيتقال… بيتعاش." ومن يومها، بقى كل يوم يثبت إن الرجوع للصح مش كلمة… الرجوع للصح طريق طويل بيتبني خطوة خطوة، ويمكن أصعب خطوة فيه هي إنك تعترف إنك كنت السبب في خراب بيتك… وتحارب كل يوم عشان تعمره من جديد.

تم نسخ الرابط