سر الطفلة

لمحة نيوز

ليل شيكاغو كان بينزل مطر وتلج كأن السما نفسها غضبانة من المدينة، والشارع قدام مطعم “أوبسيديان” كان شبه فاضي إلا من عربيات فخمة بتقف دقيقة وتنطلق تاني. النور الدافئ اللي طالع من المطعم كان بيعمل دايرة ذهبية صغيرة على الرصيف، وكأن الدفا ده مخصص لناس معينة بس. في الركن البعيد عن الباب وقفت طفلة صغيرة بالكاد تعدي الخمس سنين، حافية في التلج، فستانها الخفيف ممزق من الكتف، وشعرها الأشقر متشابك كأنه ما شافش مشط من أيام. كانت ماسكة أرنب قماش قديم، عينه اليمين ساقطة ومخيط بخيط أزرق، لكن الطفلة كانت ضاماه لصدرها كأنه كنز. رجل الأمن الضخم لمحها وهو بيبص حوالين المكان، فمشى ناحيتها متضايق وقال بحدة: “يلا امشي من هنا قبل ما…” لكنه سكت فجأة لما باب المطعم اتفتح وخرج منه رجل طويل بملامح حادة وهدوء مخيف. ماركو فيتالي. الاسم اللي الناس في شيكاغو بتهمس بيه بدل ما تنطقه بصوت عالي. كان لابس بالطو أسود طويل، وحواليه رجالة حراسة واقفين كأنهم جدار متحرك. وهو ماشي ناحية عربيته الرولز رويس السودا، عينه وقعت على البنت الصغيرة. كانت واقفة مكانها، مش بتهرب، مش بتعيط… بس بتبص. ماركو وقف. الحركة البسيطة دي كانت كفيلة إن كل اللي حواليه

يتجمدوا. الحراس قربوا بسرعة لما شافوا البنت بتتحرك ناحيته، لكن ماركو رفع إيده إشارة صغيرة فوقفوا في مكانهم فورًا. الطفلة قربت خطوتين، صوت التلج تحت رجليها الصغيرة كان واضح في سكون الليل، وبصت له بعينين زرقا كبار وقالت بصوت بيرتعش من البرد: “يا عمو… إنت تعرف حد محتاج طفلة؟” السؤال كان بسيط لكنه وقع في الجو كأنه صاعقة. ماركو، الراجل اللي شاف خيانات وحروب شوارع ودم أكتر من أي حد، انحنى لمستواها لأول مرة من سنين. بص في وشها ولاحظ العلامة الزرقا على خدها. سألها بصوت خشن لكنه أهدى شوية: “فين أهلك يا صغيرة؟” الطفلة بصت للأرض وقالت ببطء: “ماما قالت لي إن البيت مبقاش مكاني… قالت لي أدور على حد ياخدني… أكون شاطرة عنده مقابل أكل وسرير… عشان هي محتاجة فلوس للدوا.” ماركو فهم فورًا نوع “الدوا” اللي تقصده.  اللي بتاكل البشر حيّين. سألها وهو شايف الأرنب في إيدها: “وهو ده إيه؟” مسحت أنفها بطرف الفستان وقالت: “ده بندق… هو صديقي… ومش بياكل كتير والله… ممكن يفضل معايا؟” لحظة صمت مرت كأنها أطول من الليل نفسه. الحراس كانوا متعودين يشوفوا ماركو قاسي، بارد، قراراته زي الرصاص… لكن اللي حصل بعدها كان حاجة محدش فيهم شافها
قبل كده. ماركو خلع بالطوه الفرو الغالي ولفه حوالين الطفلة الصغيرة لدرجة إنها اختفت جواه، وبعدين شالها بين إيديه كأنها أخف من الريشة. البنت تشبثت فيه تلقائيًا، يمكن لأول مرة حد كبير يشيلها بالشكل ده من غير خوف. ماركو لف ناحية رجاله وقال بصوت منخفض لكنه مرعب: “هاتولي عنوان الأم.” واحد من الحراس قال: “حالًا يا كينج.” ماركو كمل: “وعايزها في المخزن خلال ساعة… بس اسمعوا كويس… محدش يلمسها قبل ما أوصل.” وبعدين بص للبنت وقال بنبرة مختلفة تمامًا: “اسمك إيه؟” همست: “لينا.” ماركو هز راسه وقال: “من الليلة دي… مفيش حد هيبيعك ولا يشتريك يا لينا.” دخلها العربية الدافئة، والبنت كانت بتبص حواليها بدهشة من الكراسي الجلد والنور الناعم. بعد شوية سألت بصوت صغير: “هو أنا هنام في الشارع تاني بكرة؟” ماركو سكت لحظة وبعدين قال: “لا.” وبعد ساعة، في مخزن قديم على أطراف المدينة، كانت أم لينا قاعدة على كرسي قدام ماركو، إيديها بترتعش وعينيها غارقة في الهوس. حاولت تبرر وتصرخ وتقول إنها محتاجة الفلوس، لكن ماركو كان ساكت وهو بيفكر في الطفلة اللي نايمة دلوقتي في عربيته ماسكة الأرنب القماش. في النهاية قال جملة واحدة لرجاله: “البنت انتهت
علاقتها بالشارع من النهارده.” بعدها اختفت الأم من حياة لينا للأبد، والمدينة بدأت تسمع إشاعة غريبة: إن الطفلة اللي لقاها ماركو فيتالي في التلج بقت تعيش في بيته الكبير على التل. الأيام عدت، والطفلة اللي كانت حافية في الشارع بقت تمشي في ممرات بيت ضخم مليان دفء. في الأول كانت بتصحى كل ليلة خايفة إنه يكون حلم، لكن كل مرة كانت تلاقي بندق جنبها وباب غرفتها مفتوح قليلًا ونور الممر شغال. ماركو ما كانش يعرف يتعامل مع الأطفال، لكنه حاول بطريقته. جاب لها معلمة، وألعاب، وأول حذاء شتوي في حياتها. ومع الوقت بدأت تضحك. الضحكة دي كانت أغرب صوت سمعه البيت ده من سنين. رجالة المافيا اللي كانوا يخافوا من نظرة ماركو، بقوا يسيبوا شوكولاتة صغيرة على الطاولة لما يعرفوا إن لينا هتمر من هنا. وبعد سنين، كبرت الطفلة اللي سألت سؤالها البسيط في ليلة تلج. كبرت وهي عارفة إن الراجل اللي الناس بتسميه وحش… كان أول حد في الدنيا يرد عليها بكلمة واحدة غيرت مصيرها. وفي يوم من الأيام، لما حد سأل ماركو فيتالي ليه عمل كل ده، رد وهو بيبص من شباك مكتبه على المدينة: “الليلة دي… طفلة صغيرة سألتني سؤال… وأنا قررت إن شيكاغو كلها لازم تسمع إجابته.”

تم نسخ الرابط