سر الطفلة

لمحة نيوز

مرت السنوات ببطء في البداية، ثم فجأة بدأت تجري كأنها مطاردة بين الزمن والذكريات. لينا، الطفلة اللي كانت واقفة حافية في التلج قدام مطعم فاخر، بقت دلوقتي بنت عندها تسع سنين، شعرها الأشقر بقى أنعم ومرتب، وعينيها الزرقا لسه فيها نفس العمق القديم… بس الاستسلام اللي كان ساكن فيها اختفى، وحل مكانه فضول طفلة بدأت أخيرًا تعرف يعني إيه أمان. بيت ماركو فيتالي كان قصر ضخم على تلة تطل على شيكاغو كلها، جدرانه من حجر رمادي ونوافذه عالية، لكن أكتر حاجة كانت بتلفت نظر أي حد يدخله إن في ضحكة طفلة بقت تتردد في الممرات اللي كانت زمان صامتة وباردة. في البداية، رجالة ماركو كانوا بيتعاملوا مع لينا بحذر، كأنهم خايفين يقربوا من شيء نقي في عالم مليان ظلام. لكن لينا كانت طفلة بطبيعتها… كانت تدخل المطبخ وتتكلم مع الطباخ كأنه جدها، وتسأل الحراس عن الندبات في وشوشهم، وتسيب الأرنب القماش “بندق” على المكتب الضخم بتاع ماركو كأنه حارس صغير للمكان. ماركو نفسه ما كانش فاهم إيه اللي حصل له. الراجل اللي عمره ما اهتز قلبه لدم أو تهديد، بقى يقلق لو لينا تأخرت دقيقة عن الرجوع من المدرسة الخاصة اللي سجلها

فيها. كان يقف ساعات يراقبها من بعيد وهي بتلعب في الحديقة، مش عارف يتكلم معاها كتير، لكنه دايمًا قريب. لينا في الأول كانت تناديه “عمو ماركو”، لكن في يوم شتوي بعد سنتين من وصولها، كانت قاعدة ترسم على الأرض في مكتبه. ماركو دخل وسألها: “بترسمي إيه؟” رفعت الورقة الصغيرة وقالت بفخر: “دي عيلة.” الورقة كان فيها رسمة بسيطة… راجل طويل لابس بالطو أسود، وبنت صغيرة ماسكة أرنب قماش. ماركو سألها: “ومين دول؟” ردت ببساطة: “أنا وبابا.” الكلمة وقعت في قلبه كأنها حاجة تقيلة وغالية في نفس الوقت. ماركو ما قالش حاجة وقتها… لكنه لأول مرة في حياته ما عرفش يرد. من اليوم ده، لينا بقت تناديه “بابا ماركو”، ورغم إن رجالة المافيا في المدينة كانوا يهمسوا إن ده ضعف… الحقيقة إن ماركو بقى أقوى من أي وقت فات، لأنه بقى عنده حاجة يخاف عليها. لكن شيكاغو ما بتسيبش حد يعيش في سلام طويل. في ليلة عاصفة بعد سنين، لما لينا بقت عندها 14 سنة، رجع ماركو البيت متأخر ووشه كان قاسي أكتر من المعتاد. الحرب بين العائلات الإجرامية كانت بدأت من جديد. منافس قديم اسمه ديميتري فولكوف وصل المدينة، ومعاه رجال ما يعرفوش الرحمة.
لينا لاحظت التوتر فورًا. سألت ماركو وهي قاعدة على السلم: “بابا… في حاجة غلط؟” ماركو حاول يبتسم لكنه فشل. قال: “شوية مشاكل شغل.” لكنها ما كانتش طفلة صغيرة خلاص. قالت بهدوء: “الشغل اللي فيه مسدسات؟” ماركو سكت. الليلة دي ضاعفت الحراسة حول البيت، لكن الخطر الحقيقي كان أذكى. بعد أسبوع، كانت لينا خارجة من مدرستها، والشارع قدامها كان هادي… زيادة عن اللزوم. فجأة عربية سوداء وقفت بسرعة، ونزل منها رجلين. الحارس اللي مع لينا حاول يقاوم، لكن الرصاص كان أسرع. خلال ثواني، اختفت لينا من الشارع. الخبر وصل لماركو زي الرصاصة في قلبه. كل شيكاغو اهتزت في الليلة دي. لأول مرة في تاريخ المدينة، كل رجال ماركو خرجوا للشوارع في نفس الوقت. المستودعات اتفتشت، الحانات اتقفلت، وكل حد له علاقة بديميتري اتسحب للتحقيق. لكن ماركو ما كانش بيصرخ… كان هادي بشكل مرعب. وقف في مكتبه وبص على الأرنب القماش “بندق” اللي كانت لينا سايباه على الكرسي. وقال جملة واحدة لرجاله: “هاتوه.” في مخزن مهجور على أطراف المدينة، كانت لينا مربوطة على كرسي، لكن عينيها ما كانتش مليانة رعب زي ما كانوا متوقعين. ديميتري فولكوف وقف
قدامها مبتسم وقال: “أبوك صعب… بس كل واحد ليه نقطة ضعف.” لينا ردت بصوت ثابت: “هو مش أبويا بس… هو أقوى منك.” ديميتري ضحك. لكن ضحكته ما استمرتش طويل. لأن في نفس اللحظة، صوت انفجار ضخم هز المكان. الأنوار انطفت، والأبواب المعدنية اتكسرت كأنها ورق. رجال ماركو دخلوا زي العاصفة. الرصاص ملأ المكان، والدخان غطى المخزن. وفي وسط الفوضى، الباب اتفتح ببطء… ودخل ماركو بنفسه. عيونه كانت مظلمة بطريقة خلت حتى رجال ديميتري يتراجعوا خطوة. ديميتري حاول يمسك مسدسه، لكن ماركو كان أسرع. خلال ثانيتين بس، انتهى كل شيء. بعد دقائق، ماركو فك الحبال من إيدين لينا بنفسه. أول ما قامت، حضنته بقوة… نفس الحضن اللي حصل قبل سنين في ليلة التلج. قالت وهي بتعيط لأول مرة من سنين: “كنت عارفة إنك هتيجي.” ماركو ضمها وقال بهدوء: “كنت هقلب العالم كله لحد ما ألاقيكي.” ومن الليلة دي، شيكاغو فهمت حاجة جديدة. إن ماركو فيتالي ممكن يكون ملك المافيا… لكن في حاجة واحدة بس أقوى من سلطته… طفلة صغيرة سألته مرة في الشارع: “تعرف حد محتاج طفلة؟” واللي محدش كان يعرفه… إن السؤال ده ما غيرش مصيرها بس… ده غير مصير الراجل اللي رد
عليه.

تم نسخ الرابط