قسوة ابني

لمحة نيوز

في يوم من الأيام، في شقة قديمة في حي شعبي من أحياء ، كانت “ميرفت” قاعدة لوحدها في الصالة، ماسكة صورة قديمة لولدها الوحيد “ياسين”. الصورة دي كانت من يوم تخرجه من الجامعة… يومها كانت حاسة إن تعب عمرها كله اتكافأ. كانت دايمًا تقول للناس: “ابني ده سندي في الدنيا”. محدش كان يعرف إن السند ده هيبقى هو نفس الوجع اللي يكسر قلبها.

ميرفت اتجوزت بدري وخلفت ياسين بعد سنين انتظار. جوزها “حسن” كان راجل بسيط بيشتغل ليل نهار عشان يفتح محل صغير للموبيليا. السنين عدت، والتعب كبر، لكن المحل كبر معاهم وبقى ليه اسم في السوق. ولما حسن مات فجأة بسكتة قلبية، ميرفت بقت لوحدها… لكن كان عندها أمل واحد بس: ياسين.

ياسين كبر واتعلم واتخرج، وكان شاب محترم… لحد ما دخلت في حياته “نرجس”.

نرجس كانت بنت جميلة، لكن جواها طمع يكفي بلد. اتعرفت على ياسين عن طريق واحدة من قرايبها، ومن أول يوم كانت عارفة إنه ابن الست اللي عندها محل وفلوس. لعبت دور البنت الغلبانة اللي بتحبه بصدق، وياسين وقع في الشبكة بسرعة.

ميرفت كانت مترددة في الأول، لكن لما شافت ابنها متعلق بيها، وافقت. قالت لنفسها: “يمكن ربنا يكتبله السعادة”.

بعد الجواز بشهور، بدأت الطلبات تزيد. مرة عايزين يغيروا العفش، مرة عربية، مرة يسافروا مصيف غالي. ياسين كل ما يحتاج فلوس يروح لأمه، وهي عمرها ما قالت لا.

لكن مع الوقت، ميرفت بدأت تلاحظ حاجة غريبة… الحساب البنكي اللي كانت حاطة فيه تحويشة عمرها بيقل بسرعة. أرقام بتختفي ومبالغ كبيرة بتتسحب. في الأول قالت يمكن ياسين محتاج، لكن لما سألت، كان دايمًا يتهرب.

وفي يوم، قررت تراجع الحساب بنفسها.

الصدمة خلت إيديها ترتعش.

مبالغ كبيرة جدًا اتحولت خلال شهور قليلة… لكن مش لمصاريف البيت. كانت تحويلات لحساب باسم نرجس.

ميرفت حسّت إن الأرض بتلف بيها. فضلت طول الليل قاعدة قدام الدفتر البنكي، تبص للأرقام وكأنها مش مصدقة. وفي الصبح… غيرت كلمة السر للحساب.

بعد ساعات قليلة، رن التليفون.

“إنتي غيرتي كلمة السر يا حماتي؟!”

صوت نرجس كان مليان غضب. كانت واقفة في معرض موبيليات كبير والناس حوالينها، والكارت بتاع الحساب اترفض.

ميرفت ردت بهدوء فيه وجع السنين:
“الحساب ده فيه شقى عمري… والفلوس اللي بتتسحب منه لازم تقف.”

نرجس قفلت السكة بعصبية.

ومعدتش ساعة… لحد ما باب الشقة اتفتح بعنف.

دخل ياسين، وشه

أحمر وعينيه مليانة غضب.

“إنتي عملتي إيه في نرجس؟!”

ميرفت بصت له بذهول.
“أنا اللي عملت؟ ولا مراتك اللي بتصرف فلوسي كأنها ورث أبوها؟”

لكن ياسين كان متغير… الكلام دخل ودن وطلع من التانية.

وفجأة مسك إيد أمه بعنف.

“هاتي كلمة السر!”

ميرفت صرخت من الألم.
“إيدك عني يا ياسين… دي إيد الأم اللي شالتك!”

لكن ياسين ضغط أكتر، كأنه فقد عقله.

“هاتيها بقولك!”

في اللحظة دي، قلب ميرفت اتكسر. لأول مرة تشوف في عيني ابنها واحد غريب… واحد أعمته كلمة “فلوس”.

زقها بقوة… فوقعت على الكرسي.

وساب البيت وهو بيزعق:
“مش هارجع غير لما الفلوس ترجع!”

الليل نزل على البيت تقيل.

وميرفت قاعدة تبكي لوحدها.

لكن حاجة جواها قالت: لازم أفهم الحقيقة.

تاني يوم، راحت البنك.

طلبت كشف حساب كامل… وطلبت مساعدة قانونية.

اللي اكتشفوه كان أسوأ مما توقعت.

نرجس كانت فاتحة حساب سري باسمها… وبتحول عليه فلوس من حساب ميرفت ومن حساب ياسين كمان.

والكارثة الأكبر؟

كانت بتجمع الفلوس عشان تهرب بره البلد

المعلومة دي وصلت للشرطة بسرعة.

وبعد أيام قليلة… تم القبض على نرجس في المطار وهي بتحاول تسافر ومعاها مبلغ ضخم.

لما ياسين

عرف الحقيقة، الدنيا وقفت قدامه.

كل اللي كان بيدافع عنها طلع كذب.

راح لأمه وهو منهار.

وقف قدامها وسأل بصوت مكسور:
“سامحيني يا أمي…”

لكن ميرفت كانت ساكتة.

الدموع في عينيها… لكن قلبها كان موجوع أوي.

قالت له بهدوء:
“أنا سامحتك… بس عمري ما هنسى إن إيدك اتعصرت على إيدي.”

ياسين وقع على ركبته وبكى زي الطفل.

ومن يومها… حياته اتغيرت.

طلق نرجس بعد ما خرجت من السجن، وباع العربية وكل المظاهر اللي كانت عايش فيها.

ورجع يشتغل في محل أبوه القديم.

وميرفت… رغم الجرح… فتحت له الباب تاني.

لكن المرة دي، العلاقة بينهم كانت مختلفة.

بقى كل يوم لما يدخل البيت… يبوس إيد أمه ويقول:
“ربنا ما يحرمنيش منك يا أمي.”

وميرفت كانت تبص له وتفتكر اليوم اللي قال لها فيه:
“هاتي كلمة السر.”

وتقول في سرها:
“الفلوس ممكن ترجع… لكن القلب لما يتكسر عمره ما يرجع زي الأول.”

بعد اللي حصل، كان المفروض إن الحكاية تخلص… لكن الحقيقة إن اللي حصل كان مجرد بداية لجرح أعمق في قلب ميرفت.

مرت أسابيع على القبض على نرجس، والبيت رجع هادي… هدوء غريب يخوف. ياسين بقى يرجع من المحل متأخر، يطبخ لأمه أكل بسيط، ويقعد جنبها يحاول

يفتح كلام… لكن ميرفت كانت بترد بكلمتين وتقفل الموضوع. مش قسوة منها، لكن القلب لما يتكسر بياخد وقت طويل عشان يلم نفسه.

تم نسخ الرابط