انا دخلت على جلسه وصية حماتي

لمحة نيوز

أنا دخلت على جلسة قراءة وصية حماتي… ولقيت جوزي قاعد هناك مع الست اللي معاه والبيبي الجديد. كانوا مطمّنين كأنهم مستنيين اللحظة اللي أنا هتكسّر فيها. بس بعدين المحامي فتح آخر رسالة من حماتي… ولون كريم اتغيّر خالص.
كنت متوقعة الحزن في قراءة وصية حماتي.
ماكنتش متوقعة الإهانة دي.
وأكيد ماكنتش متوقعة إني أكون جمهور على ده كله.
أسبوعين بعد وفاة أمينة عبد الرحمن، دخلت أوضة الاجتماعات في مكتب “حجازي وشركاه” في وسط القاهرة، لابسة فستان أسود كنت لابسته كتير اليومين دول وحاسة بتعب ساكن جوه عظامي.
الأوضة كانت ساقعة وهادية وبسيطة.
سجادة باهتة.
ريحة قهوة قديمة في الهوا.
وبرواز ملتوي فيه صورة للـ”برج القاهرة” ورا رأس التربيزة.
وقاعدين في آخر الأوضة كأنهم أصحاب المكان، كريم والست اللي معاه.
كريم ما وقفش.
ما اتفاجئش بيّا.
بس مسك دراعه على الكرسي الفاضي جنبُه، كأنه حاطط الكرسي ده لحد مهم.
ليلى حسن رفعت وشها وابتسمتلي بابتسامة خلت معدتي تتقلب. كانت مهندمة، مرتاحة، وشكلها مشع بفستان أزرق فاتح ملفوف، وشعرها كيرلي تمام.
وفي حضنها بيبي ملفوف في بطانية

رمادية ناعمة.
لحظة دماغي رفضت تستوعب اللي شايفاه.
بعدها البيبي تحرك.
إيده الصغيرة تحركت على صدرها.
والأوضة اتلخبطت.
وشه مفيهوش أي شعور بالغضب أو توتر، بس تعبيره كان مليان انزعاج وتعب.
“ماكنّاش عايزين تعرفيه من حد تاني”، قال.
ضحكت. مرة واحدة بس.
ضحكة قصيرة مش حاسة بيها إني بشر.
“في جلسة وصية حماتي؟” قلت. “فاكرين تعملوا حلو؟”
قبل ما يردوا، الباب اتفتح ورايا.
أحمد حجازي، محامي أمينة، دخل ماسك فايل قدام صدره. ست كبيره في السن وشعره فضي وتعبير وشه دقيق كإنه دايمًا بيبلغ الأخبار المهمة.
عيونه وقعت على البيبي.
حتى هو اتفاجئ شويه.
وبعدين رجع لوضعه المهني العادي.
“السيدة أمينة طلبت الكل يكون موجود”، قال بحذر، بصلي وبص لليلى. “الآنسة حسن… موجودة.”
كلمة “موجودة” ضربتني جامد.
أمينة عرفت.
عرفت كفاية إنها تتأكد إن كل الناس اللي محتاجين يكونوا موجودين، موجودين.
رجلي اتحسست مش مستعدة، فقعدت قبل ما أقع.
ليلى عدلت البيبي وكريم رجع يتكئ على الكرسي كأنه بيحسب اللي هيكسبه.
حجازي فتح الفايل ووضح.
“أمينة عبد الرحمن وقعت وصيتها الأخيرة يوم ٣ مارس. كمان
سبّت بيان شخصي يُقرأ قبل توزيع الميراث.”
كريم ما تحركش.
ليلى شكلها مستمتعة.
وأنا بحاول ما أتفككش قدام الناس اللي شكلهم مخططين لكل لحظة.
حجازي فَضّ ورقة واحدة.
وصوته اتغير لما بدأ يقرأ.
“لبنتي في القانون، سارة، لو سامعة ده… يبقى كريم أخيرًا ورّاك كل اللي أنا عملته ليكي.”
كل حاجة اتوقفت.
كتاف كريم اتشنّج.
ابتسامة ليلى خفت شويه.
حتى البيبي وقّف ساكت.
حجازي كمل:
“النهارده، إنتي اللي في السيطرة. أنا عرفت إنك قوية وكفاية، وعايزاك تعرفي إن اللي حصل ده كله لصالحك.”
دموعي نزلت… مش من الحزن، لأ، من شعور بالقوة والطمأنينة اللي أمينة سلمتهولي.
بصيت لكريم… وشه باين عليه الاحترام والخوف لأول مرة في حياته.
وقفت، مش محتاجة أي حاجة تانية.
التفت ليلى وقالتلي: “مش مصدقة؟”
ابتسمت بس.
“ده كان حقك من الأول… وأخيرًا خدتيه.”
البيبي؟ ضحكته الصغيرة كانت كأنها براءة وسعادة لكل اللحظة دي، وأنا حاسّة إن ده برضه جزء من القوة اللي اتورّثت من أمينة.
كريم؟ فضل واقف، ساكت، لابس الصدمة على وشه.
مش هيرجع حياتنا زي الأول.
مش هيمسك الميراث إلا بإذني.
والحياةى يا كريم،
مش هتسمحلك تعدي من غير ترتيب الأمور صح.
أنا خرجت من الأوضة… وقلبي أخف.
أخيرًا حاسة بالقوة، أخيرًا حاسة إن في حد شاف كل حاجة ووقف جنبي… حتى بعد ما ماتت.
وبصراحة؟ النهارده كانت أول مرة بحس فيها إني منتصرة.
مش على كريم وبس… لكن على كل الصعاب والأحداث اللي كنت بحس بيها سنين طويلة.

القصة الثانية 👇 

في المرة الأولى التي أيقظني فيها ذلك القط البرتقالي السمين بصفعة عند الساعة 4:13 صباحًا، أدركت أن حياتي قد وصلت بطريقة ما إلى الحضيض.

ليس الحضيض المطلق.

بل ذلك النوع الذي ينام فيه رجل في الثامنة والأربعين على سرير فردي متهالك، يعمل ساعات طويلة، يأكل الحساء من كوب، ويُحاكَم قبل شروق الشمس على يد قط لا يخصه.

كان اسمه “توست”.

كان ملكًا لجارتي، إيفلين، أرملة في السبعينيات تعيش في الشقة المقابلة، مع ثلاث سترات صوفية، ومصباح واحد جيد، ونوع من الهدوء يجعلك تخفض صوتك دون أن تعرف لماذا. طرقت بابي مساء أحد أيام الثلاثاء، وهي تحمل توست تحت ذراعها كأنه رغيف خبز غاضب.

قالت:
“سأغيب بضعة أيام… فحوصات.”

هذا كل ما قالته. لا تفاصيل. لا دراما.

فقط “فحوصات”، وكأنها تسلّم كتابًا للمكتبة.

قلت لها:
“أنا لست من محبّي القطط.”

تم نسخ الرابط