خمس سنين بقلم نور محمد

لمحة نيوز

كله بيحسده.
في نفس الوقت
سارة كانت قاعدة في مكتبها في المستشفى، بتراجع ملف مريض جديد. هدوءها كان مختلف تمامًا عن اللي في القاعة.
دخلت الممرضة وقالت دكتورة سارة في مقابلة إعلامية عايزين حضرتك فيها بعد اللي حصل النهارده.
رفعت عينيها من الورق مش محتاجة إعلام.
سكتت لحظة، وبعدين كملت أنا اشتغلت عشان أنقذ حياة مش عشان أرجع لناس ضيعت وقتي.
الممرضة ابتسمت بإعجاب حضرتك فعلاً غيرتي حياة ناس كتير هنا المرضى بيدعولك كل يوم.
سارة ابتسمت ابتسامة صغيرة لأول مرة الدعوات دي أهم من أي تصفيق.
مر أسبوع.
حازم بدأ يلاحظ حاجة غريبة اسمه في المستشفى اللي بيشتغل فيها بدأ يتذكر دايمًا جنب اسم دكتورة سارة في اجتماعات الإدارة. الناس بقت تقارنه بيها من غير ما يقصدوا.
شفت دكتورة سارة عملت إيه في الحالة دي؟ ليه مش زيها في الدقة؟ هي بقت معيار جديد هنا.
كل جملة كانت بتخبط فيه.
وفي يوم
وصله طلب تحويل حالة طارئة صعبة جدًا حالة محتاجة تدخل جراحي معقد، ووقتها كان هو المسؤول.
فتح الملف
اتجمد.
الاسم.
نفس الاسم اللي بيطارده
سارة عبد الله
قفل الملف بسرعة، فتحه تاني، يمكن بيتهيأ له.
لا هي فعلاً الحالة في قسمها.
في لحظة التوتر، طلبوا
استشارة مشتركة بينه وبينها.
دخل غرفة الاجتماعات وهو متوتر لأول مرة في حياته المهنية.
ولما دخلت هي
ما بصتش له أصلاً.
قعدت وفتحت الملف وقالت بهدوء خلينا في الحالة مفيش وقت لأي حاجة تانية.
حازم بلع ريقه وقال سارة الحالة دي أنا مسؤول عنها.
ردت من غير ما تبص وأنا مسؤولة عن إن المريض يطلع حي.
سكت.
الجملة كانت أقسى من أي مواجهة.
بدأوا يناقشوا الحالة.
كل دقيقة كانت بتكشف فرق بينهم هو بيفكر في المنصب، وهي بتفكر في الإنقاذ.
وفي النهاية اقترحت خطة معقدة جدًا.
هو اتردد دي مخاطرة كبيرة
رفعت عينيها له لأول مرة في الاجتماع وأنا ما بشتغلش غير لما يبقى في فرصة حقيقية للنجاة.
سكت.
وبعد لحظة قال تمام نمشي على خطتك.
العملية نجحت.
المريض نجا.
والقاعة كلها صفقّت.
لكن هي ما ابتسمتش.
ولما خرجوا من غرفة العمليات، هو وقف جنبها وقال بصوت واطي إنتي فعلاً بقيتي أقوى مني بكتير
بصتله وقالت بهدوء مش أقوى أنا بس اتعلمت متحبش حد يكسرك وإنت بتبني نفسك.
وسابته ومشيت.
حازم فضل واقف لوحده.
المرة دي ما كانش فيه غضب.
كان فيه إدراك متأخر جدًا
إنه ما خسرش امرأة كانت في حياته
هو خسر الإنسانة اللي لو كان حبها صح، كان ممكن تبني له حياة عمرها
كله.
لكن بدل كده
بنى نفسه فوق تعبها ووقع لوحده مرّت شهور بعد آخر مواجهة بينهم.
كل واحد فيهم كمل طريقه بس الفرق إن واحد فيهم كان ماشي لقدّام، والتاني كان بيحاول يهرب من نفسه.
سارة بقت اسمها معروف على مستوى أكبر.
اتعرض عليها شغل في مستشفى دولي كبير، ومعاه فرصة سفر برّه مصر لأول مرة في حياتها المهنية.
يوم ما جالها العرض، قعدت لوحدها في مكتبها فترة طويلة.
مش لأنها مترددة لكن لأنها لأول مرة تسأل نفسها هو أنا رايحة فين بالظبط؟
وبهدوء شديد، فتحت الدرج وطلعت ورقة قديمة جدًا كانت أول ورقة طلاق.
بصت لها لحظة، وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت الحمد لله إنك كنتي البداية مش النهاية.
وقامت رمتها في سلة المهملات.
مش وجع بس إغلاق صفحة.
في نفس الوقت
حازم حاله بدأ ينهار بشكل هادي.
مش انهيار صريح لكن فقدان تدريجي لكل حاجة كان فاكرها ثابتة ثقة الناس، احترام الزملاء، وصورته اللي كان شايفها مثالية.
وبعد ضغط كبير، اتحال للتحقيق في خطأ طبي إداري كان اتغطى عليه زمان. مش كارثة بس كفاية تهز مكانته.
وفي لحظة مواجهة في اللجنة، سألوه كنت فين من الدقة والمسؤولية اللي المفروض تكون عند طبيب في مكانك؟
ما لاقاش إجابة.
لأول مرة
في حياته الصمت كان فضيحة.
خرج من الاجتماع منهك.
قعد على سلم المستشفى لوحده.
نفس المكان اللي اتخرج منه دكتور.
بس المرة دي ما فيش فرحة، ولا صور، ولا تصفيق.
بس سؤال واحد بيدور في دماغه كنت مستاهل كل ده؟
في اليوم ده، قرر يكتب رسالة.
مش اعتذار رسمي ولا محاولة تبرير.
بس اعتراف.
فتح ورقة وكتب
أنا ما خنتكيش بس يوم الطلاق
وقف عند الجملة دي كتير.
وبعدين كمل
أنا ما خسرتكيش لما سبتي البيت أنا خسرت نفسي لما كنتي موجودة ومش شايفك.
قفل الورقة ومبعتش حاجة.
لأنه لأول مرة فهم إن في أخطاء مالهاش تصليح، بس ليها وعي متأخر.
بعد سنة بالضبط
سارة كانت واقفة في مطار القاهرة، شنطتها جاهزة، وبداية جديدة بالكامل قدامها.
قبل ما تدخل بوابة السفر، رن موبايلها.
رقم غريب.
ردت بهدوء.
صوت حازم كان هادي جدًا مختلف لأول مرة مش بطلب منك حاجة ولا حتى رد.
سكت لحظة وقال بس كنت عايز أقولك إنك كنتي صح في كل حاجة.
هي سكتت.
مش وجع مش فرحة بس سكون.
وبعدين قالت متأخر أوي يا حازم.
هو رد عارف.
صمت.
وبعدين قفلت المكالمة.
سارة دخلت بوابة السفر.
من غير ما تبص وراها.
لأن في اللحظة دي مفيش ورا يستاهل يتبص له.
وحازم فضل واقف.
مش مستني رد.
ولا مستني
فرصة.
بس مستوعب أخيرًا إن بعض الناس
مش بيخسروك عشان مش بيحبوك.
بيخسروك لما يفتكروا إنك مش هتمشي.
النهاية.

تم نسخ الرابط