تابع ابنه بقلم زيزي
من تلات أسابيع، "كريم" لاحظ حاجة غريبة.
عمره 12 سنة، بس بقى بيرجع متأخر كل يوم.
نفس الكلام، نفس الكدب:
"عندي نشاط في المدرسة…" "الأستاذ خلانا نقعد شوية…"
بس في حاجة مش راكبة.
في يوم، قرر يتأكد بنفسه.
عمل مكالمة سريعة للمدرسة…
وجاء الرد اللي قلبه وقع:
"مفيش أي أنشطة بعد اليوم الدراسي."
ساعتها "كريم" سكت.
وبقى لأول مرة يحس إن ابنه بيستخبى منه حاجة كبيرة.
تاني يوم، قرر يتبع "عمر" بنفسه.
ركن عربيته بعيد عن المدرسة، ولبس نضارة شمس، واستنى.
الجرس رن…
والطلاب خرجوا يجروا ويضحكوا.
لكن وسطهم…
شاف ابنه.
"عمر" ماشي لوحده.
وشه مش طبيعي… فيه توتر وخوف.
ومش رايح ناحية البيت.
لف في شارع جانبي.
"كريم" نزل وراه من غير ما يفكر.
فضل ماشي وراه بحذر لحد ما دخلوا منطقة هادية فيها جنينة صغيرة مهجورة.
ومن ورا شجرة…
"كريم" وقف فجأة.
على دكة خشب قديمة…
كان قاعد "عمر" جنب بنت صغيرة في نفس سنه تقريبًا.
بس شكلها كان مختلف.
لبس بسيط… عيون مرهقة… وشنطة قديمة كأنها حياتها كلها.
"عمر" فتح شنطة أكله…
وقسمه نصين من غير تردد.
ساندوتش…
كل حاجة نصين.
وقعدوا ياكلوا ويضحكوا كأنهم أصحاب من زمان.
"كريم" كان بيتفرج ومش قادر يبلع ريقه.
ابنه… اللي كان متوقع يشوفه بيعمل مصيبة…
بيطعم بنت غريبة.
وفجأة…
"عمر" طلع فلوس من جيبه.
واديها للبنت بهدوء.
هي اترددت لحظة…
وبعدين خدتهم.
وبعدين مشيت بسرعة.
ساعتها "كريم" حس إن الأرض بتسحب من تحته.
ده مش لعب عيال.
ده سر كبير.
أكبر من سن ابنه.
وأكبر منه هو كمان.
ومن اللحظة دي…
"كريم" قرر إنه مش هيسيبه.
هيفضل وراه…
لحد ما يعرف:
مين البنت دي؟
وليه ابنه بيخبيها عنه؟
وإيه اللي ممكن يخليه طفل في سنه شايل كل ده لوحده؟في اليوم اللي بعده… "كريم" ماعرفش ينام.
كل مرة يقفل عينه يشوف نفس المنظر:
ابنه "عمر" وهو بيقسم أكله… ويدي فلوس لبنت غريبة…
كان لازم يفهم.
تاني يوم، رجع نفس المكان.
بس المرة دي… قرر يقرب أكتر.
مش من ورا شجرة.
لا…
هيشوف كل حاجة بعينه.
الجرس رن، والطلاب خرجوا.
"كريم" شاف "عمر" زي كل يوم… ماشي لوحده.
بس المرة دي… مافضلش بعيد.
فضل ماشي وراه لحد ما دخلوا نفس الجنينة.
وقتها حصل اللي ماكانش متوقعه…
"
"عارف إنك ورايا يا بابا."
"كريم" اتجمد مكانه.
قلبه وقع.
اتكشف.
"عمر" لفله بهدوء وقال:
"أنا من أول يوم عارف إنك بتراقبني."
"كريم" خرج من ورا الشجرة بصعوبة، وقال بصوت متلخبط:
"إنت كنت عارف؟ طب ليه ساكت؟ وليه كل ده؟"
"عمر" سكت لحظة…
وبعدين قال:
"لأنك لو عرفت بدري… كنت هتمنعني."
ساعتها "كريم" حس إن في حاجة أكبر بكتير من اللي شافه.
"إنت بتتكلم عن إيه يا عمر؟ البنت دي مين؟"
عمر خد نفس طويل… وبص ناحية الدكة اللي كانوا بيقعدوا عليها كل يوم:
"اسمها هنا…"
"وأنا مش بساعدها عشان لعب… أنا بساعدها عشان مفيش حد غيري بيعمل كده."
"كريم" قرب خطوة وقال بانفعال:
"مفيش حد غيرك؟! طب أمها؟ أبوها؟ أهلها؟"
هنا… صوت "عمر" اتكسر لأول مرة:
"مامتهم ماتت… وأبوهم سابهم… وهي مسؤولة من وهي عندها 11 سنة عن أخوها الصغير…"
الصمت وقع.
حتى الهوا نفسه كأنه وقف.
"كريم" بص للبنت اللي كانت قاعدة على الدكة من بعيد…
ولأول مرة لاحظ حاجة ماخدش باله منها:
البنت مش لوحدها.
في طفل صغير مستخبي وراها.
"عمر" كمل بصوت واطي:
"أنا بجيب
"كريم" رجع خطوة لورا.
مش مصدق.
ابنه 12 سنة…
شايل هم عيلة كاملة لوحده.
بس قبل ما يتكلم…
سُمِع صوت جاي من بعيد…
صوت رجالة بيتكلموا بعصبية…
وبيقربوا من الجنينة.
"عمر" اتوتر فجأة وقال بسرعة:
"هم دول… لو شافونا هنا كل حاجة هتبوظ!"
"كريم" بص ناحيتهم…
ولأول مرة يفهم إن القصة لسه ماخلصتش…
بل بالعكس…
دي لسه بدأت تتحول لخطر حقيقي.الصوت قرب أكتر…
خطوات تقيلة… وكلام غاضب بيتقال من بعيد:
"هي فين البت دي؟ إحنا عارفين إنها هنا كل يوم!"
"لو لقيناها النهارده مش هنسكت!"
"عمر" مسك إيد أبوه بسرعة وقال بخوف:
"دول مش بيهزروا… دول بيهددوا هنا كل يوم."
"كريم" بص ناحيتهم… شاف 3 رجالة شكلهم قاسي، لابسين عادي بس نظراتهم مرعبة.
وفهم في ثانية إن الموضوع أخطر بكتير من مجرد مساعدة طفلة.
"تعال بسرعة… نستخبى ورا الشجر" قال "كريم" وهو بيشد ابنه.
بس "عمر" وقف مكانه فجأة وقال:
"لو استخبينا دلوقتي… هما هيلاقوا هنا ويمسكوا هنا وممكن يأذوهم!"
"كريم" اتجمد.
ابنه بيتكلم كأنه كبير… كأنه عايش في فيلم تاني خالص.
في اللحظة دي…
البنت "هنا" ظهرت فجأة وهي جارية من آخر الجنينة، ووشها مرعوب.