حجزت اجازة
حجزت إجازة على جزيرة خاصة بـ 150 ألف دولار بمناسبة عيد جوازنا. جوزي عزَم أهله وكمان حبيبته السابقة. وقال لي: “إنتِ تقدري تتكفلي بالأكل والتنضيف وإحنا نستمتع بالشاطئ.” أمه ابتسمت بسخرية وقالت: “ده أقل حاجة تعمليها عشان فلوس ابني.”
ابتسمت بهدوء، وألغيت الحجز كله من على موبايلي، وسبتهم واقفين على الرصيف الفاضي.
طول خمس سنين، كنت بتعامل مع جوازي كأنه مشروع استثماري عالي المخاطر—شركة بتفشل وأنا فيها المستثمر الوحيد والرئيس والموظف اللي بينضف كمان. عندي 34 سنة، وكنت واحدة من كبار رجال الأعمال في مجال التكنولوجيا، ومؤسسة شركة “Aegis Systems” للأمن السيبراني اللي مسيطرة على السوق. كنت بشتغل 80 ساعة في الأسبوع، وكل ده على أمل صامت إن نجاحي في الآخر يخلي الراجل اللي بحبه يحترمني.
بس جوزي “مروان” كان عنده موهبة مرعبة: إنه يبان كأنه غني جدًا ومن عيلة أرستقراطية، وهو في الحقيقة ما بيجيبش أي فلوس خالص. كل اللي عنده—الساعات القديمة والفيلا في بيل إير—كان كله من فلوس تعبي أنا.
عشان نحتفل بعيد جوازنا الخامس، كنت باعتة 150 ألف دولار عشان أحجز رحلة خاصة لجزر الباهاما. إحنا بس. مفيش شغل. مفيش ضغط. بس أول ما نزلت من العربية عند مرسى ميامي، حسيت إن البحر تقيل عليّ مش منعش.
على الرصيف، لقيت مروان مش لوحده. كان مع أهله… وكمان واحدة رابعة.
“كارما”—حبيبته السابقة.
مروان جري عليّ مش عشان يحضني، لكن عشان يقطع عليّ الطريق. كان باين عليه الزعل وقال:
“بصي، كارما بتمر بظروف صعبة بعد
قلت له بصدمة: “يعني عزمت أهلك وحبيبتك السابقة في رحلة عيد جوازنا؟”
قال ببرود: “ما تبدئيش دور الست اللي بتتخانق وتتعصب. الموضوع عادي. بالعكس هيكون أحسن. وإنتِ تقدري تتكفلي بالأكل وتنظيم البيت في الفيلا وإحنا نستمتع بالشاطئ. ده هيبقى مفيد ليكي، يمكن يفكك شوية من شغلِك ‘المسحور برجولة’ ويرجعك لدور الزوجة الطبيعي.”
قبل ما أرد، والدته “سعاد” قربت مني وقالت بسخرية:
“متبقيش مكشرة كده يا ليلى. ده أقل حاجة تعمليها بما إن دي فلوس ابني. هو بيتعب عشان يوفرك الحياة دي وإنتِ قاعدة على اللابتوب بتاعك. شوية امتنان مش هتضر.”
في اللحظة دي الدنيا سكتت.
حسيت إن حاجة جوايا اتقفلت. قلبي ما اتكسرش… ده اتجمد. الألم اتحول لبرود خطير زي قرارات مدير تنفيذي في اجتماع مصيري. ابتسمت.
ابتسامة كانت مرعبة أكتر مما هي لطيفة.
وقلت بهدوء:
“معاكم حق يا سعاد. أنا فعلاً ما كنتش مركزة. رحلة سعيدة ليكم.”
مروان قال وهو بيرجع للوراء:
“كويس كده. روحي خلي الطاقم يجهزنا.”
أنا ما رحتش للطاقم. رحت بعيد، وفتحت موبايلي.
وضغطة واحدة كانت كفاية.
كنت شايفة وهو ماشي بيقودهم للسفينة، متحمس، فاكر إنه داخل جنة أنا اللي دفعت تمنها… وهو مش عارف إن الجنة دي دلوقتي بتتقفل في وشه.
وسألت نفسي بهدوء:
يا ترى هيعمل إيه لما يعرف إن العالم اللي عايش فيه كله مبني على فلوس مش بتاعته… وبدأ ينهار في ثواني؟
“ضغطت
مش مجرد إلغاء رحلة… ده كان إلغاء عالم كامل اتبنى على وهم.
ثواني وعدّت.
لحد ما مروان كان لسه بيضحك مع أصحابه على الرصيف، وفجأة الموبايل بتاعه رن. مرة. اتنين. وبعدين رسائل ورا بعض.
بص في الشاشة… ووشه اتغير.
“إيه ده؟!” قالها وهو بيبصلي بسرعة.
أنا ما اتكلمتش.
أمه قربت: “في إيه يا مروان؟”
سكت لحظة، وبعدين صوته علي:
“الحجز… اتلغى؟!”
سعاد اتجمدت: “يعني إيه اتلغى؟”
مروان فتح الموبايل بسرعة، وبدأ يضغط بشكل هستيري.
“لا لا لا… مستحيل… ده أنا كنت لسه…”
وقبل ما يكمل، ظهر إشعار جديد.
“تم استرداد المبلغ إلى بطاقة الدفع الأصلية.”
سكت.
اللي حواليه بدأوا يهمسوا. كارما بصت له باستغراب:
“هو في مشكلة؟”
مروان لفّ ناحيتي:
“إنتِ عملتي كده؟”
ابتسمت نفس الابتسامة الهادية:
“عملت إيه؟ أنا بس سمعت كلامكم… وقلت أريح نفسي شوية.”
أبوه، اللي كان ساكت طول الوقت، قال بعصبية:
“يعني إيه الكلام ده؟ إحنا هنروح فين دلوقتي؟”
مروان حاول يمسك نفسه:
“إنتِ فاكرة إنك كده بتعاقبيني؟!”
قرب مني خطوة:
“إنتِ ناسية إن كل ده فلوسي؟!”
ضحكت ضحكة قصيرة:
“فلوسك؟”
سكت لحظة، وبعدين قلت بهدوء قاتل:
“مروان… آخر مرة راجعت حساباتك إمتى؟”
السكوت وقع فجأة.
بصيت له مباشرة:
“الفيلا اللي عايش فيها… أنا اللي دافعاها. العربية… أنا اللي شريّاها. حتى الرحلة دي… أنا اللي حجزاها.”
سعاد صرخت:
“إنتِ بتقولي إيه؟!”
اقتربت منها خطوة:
“بقول الحقيقة.”
كارما بدأت تبص حواليها
“أنا… أنا مش فاهمة حاجة…”
مروان حاول يقاطعني:
“إنتِ بتبالغي! أنا عندي… عندي…”
سكت فجأة.
لأنه فجأة افتكر إنه عمره ما دفع حاجة فعلاً.
صوته نزل لأول مرة:
“إنتِ… عملتي إيه؟”
بصيت له بهدوء:
“قفلت المشروع.”
“مشروع إيه؟”
“جوازي منك.”
الهواء بيننا اتقل.
الناس اللي كانت جاهزة تركب المركب بدأت تتراجع خطوة لورا. موظف الميناء قرب وقال بهدوء:
“في مشكلة في الحجز، المركب مش هتتحرك بيكم.”
سعاد انفجرت:
“يعني هنفضل واقفين هنا؟!”
أنا مسكت شنطتي، وابتديت أمشي ناحية العربية.
مروان نده عليّ بصوت أعلى:
“ليلى! إنتِ فاكرة إنك كده كسبتي؟!”
وقفت لحظة، من غير ما أرجع له.
وقلت:
“أنا ما كسبتش… أنا بس بطّلت أخسر.”
وبعدين كملت مشي.
ورايا، أول مرة في حياتهم… مفيش فلوس تفتح لهم باب، ولا اسم كبير يسهّل لهم طريق.
بس كان في حاجة واحدة واضحة جدًا…
الصمت اللي بييجي بعد ما الوهم بيقع.وقفت عند العربية، ومسكت المفتاح في إيدي، وبقيت ثواني ساكتة… كأني لأول مرة أتنفس من غير ضغط.
ورايا، الصوت بدأ يعلى.
مروان كان لسه واقف في مكانه، مش مستوعب.
أبوه بيزعق: “يعني إيه نترمي في الشارع؟!”
أمه ماسكة شنطها وبتبص حواليها كأن المكان فجأة بقى عدواني.
وكارما… كانت واقفة متلخبطة، مش عارفة تقرب ولا تمشي.
مروان قرب تاني، صوته اتكسر شوية:
“ليلى… استني… نحلها بالعقل.”
لفيت له بهدوء.
“بقالنا خمس سنين بنحلها بعقلك… ودايمًا أنا اللي بدفع.”
سكت.
السكوت ده المرة دي كان تقيل عليه هو، مش عليا أنا.
اقترب خطوة:
“إنتِ
ابتسمت بسخرية خفيفة:
“لا يا مروان. أنا كنت بدور على حاجة أغلى من الفلوس.”