حجزت اجازة
“إيه؟”
بصيت له مباشرة:
“الاحترام.”
وفتحت باب العربية.
قبل ما أركب، سعاد صرخت من ورايا:
“إنتِ كده بتدمري البيت بإيدك!”
وقفت لحظة… وبصيت لها من غير ما أتكلم.
وبعدين قلت بهدوء:
“البيت اللي بيتبني على استغلال… بيقع لوحده.”
وركبت.
قفلت الباب.
لكن قبل ما أسوق، سمعت مروان بيخبط على الشباك بعصبية:
“ليلى! مش هتسيبينا كده!”
بصيت له آخر مرة.
وشه كان فيه مزيج غريب… غضب، خوف، وصدمة لأول مرة من فقدان السيطرة.
قلت له:
“أنا ما سبتش حد… أنا بس خرجت من الدور اللي كنت ممثلاه غصب عني.”
وبدأت أسوق.
في المراية، شفتهم بيتصغروا على الرصيف.
شنط مرمية، أصوات متداخلة، ومحاولة يائسة إنهم يفهموا إزاي العالم اللي كانوا شايفينه ثابت… اتكسر في دقيقة.
بعد نص ساعة، وصلت للفندق اللي كنت حاجزاه لنفسي لوحدي من الأول.
أول ما دخلت الأوضة، قعدت على السرير.
سكون.
مفيش زعيق. مفيش طلبات. مفيش حد بيستنزفك.
بس في حاجة غريبة… إحساس خفيف كده، كأنه فراغ.
وبعدين الموبايل رن.
رقم مروان.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
سابته يرن.
بعدها رسالة:
“إنتِ مش هتقدري تمشي وتسيبينا كده… إحنا لسه متجوزين.”
ابتسمت لنفسي.
وردّيت بجملة واحدة:
“مشكلتك إنك فاكر الجواز عقد ملكية… وهو كان شراكة… وإنت اخترت تبقى
قفلت الموبايل.
ووقتها بس، لأول مرة من سنين…
حسيت إن الهدوء مش خطر.
ده بداية.الليل كان هادي بشكل غريب، كأن العالم كله قرر يسكت احترامًا للي حصل.
أنا قاعدة على بلكونة الأوضة، وببص على البحر اللي كان المفروض يكون “رحلة عيد جواز”… لكنه بقى مجرد خلفية لقرار اتاخد.
الموبايل رن تاني.
رقم سعاد.
سابته.
بعده رسالة صوتية من مروان.
ضغطت تشغيل.
صوته كان مختلف… لأول مرة من غير استعلاء:
“ليلى… أنا مش فاهم إيه اللي حصل. لو في غلط… خلينا نرجع نتكلم. أنا محتاجك.”
سكت لحظة.
وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة من غير فرح.
محتاجني؟
هو بقاله سنين بيستخدمني… ودلوقتي لما الأرض اتسحبت من تحته بقى “محتاجني”.
قفلت الرسالة.
وفي اللحظة دي، وصل إشعار جديد على البريد الإلكتروني.
فتحت.
كان من البنك.
تأكيد إلغاء جميع التكاليف المرتبطة بالحجز… وإعادة الأموال للحساب الأساسي للشركة.
يعني حتى الفلوس رجعت.
بس الغريب… إني ما حسّيتش بانتصار مالي.
حسّيت بخفة.
كأني كنت شايلة حاجة تقيلة جدًا… واتشالت.
فجأة، رسالة واتساب وصلت من رقم غريب.
“إنتِ فعلاً سيبتيني هناك؟”
عرفت من غير ما أشوف الاسم.
كارما.
سابتها دقيقة… وبعدين كتبت:
“أنا ما سبتش حد… أنا بس ما كملتش في مسرحية مش دوري فيها.
الرسالة اتقرت… ومفيش رد.
قفلت الموبايل، وقمت دخلت الأوضة.
لما لميت شنطتي، لقيت صورة صغيرة وقعت من الجاكيت.
صورة قديمة.
أنا ومروان في أول سنة جواز.
كنت بابتسم وقتها بصدق… مش زي دلوقتي.
وقفت بصيت للصورة لحظة طويلة.
وبعدين حطيتها على الترابيزة.
مش كسرتُها.
مش احتفظت بيها.
بس سبتها مكانها… كأنها جزء من قصة خلصت خلاص.
في الصباح، كنت رايحة المطار.
وفي طريقي، وصلني آخر إشعار من مروان:
“آخر مرة… ارجعي، وأنا هصلّح كل حاجة.”
بصيت للشاشة، وبعدين طفيت الموبايل تمامًا.
لأول مرة، مفيش “آخر مرة”.
فيه بس… بداية جديدة.
ولما الطيارة أقلعت، البحر تحت كان صغير جدًا…
زي كل حاجة كنت فاكرة إنها أكبر منّي.بعد ما الطيارة ارتفعت، المدينة كلها بدأت تصغر تحتيا تدريجيًا… كأنني بطلع برا القصة نفسها مش بس المكان.
قعدت على الكرسي، وعيوني على السحاب.
المرة دي مفيش توتر. مفيش انتظار رسالة. مفيش خوف من اللي جاي.
بس الهدوء ده… كان جديد عليا لدرجة إنه مقلق شوية.
وصلت القاهرة بعد ساعات.
أول ما خرجت من المطار، سواق الشركة كان مستنيني.
قال باحترام:
“مدام ليلى، في اجتماع مهم النهارده في الشركة… في مشاكل في مجلس الإدارة.”
رفعت عيني:
“مشاكل؟”
سكت لحظة:
“في شائعات عن… تسريب
قلبت الجملة في دماغي.
“قريب مني”؟
ومفيش غير اسم واحد طلع في دماغي فورًا.
مروان.
مشيت على العربية من غير كلام.
وفي الطريق، الموبايل اشتغل تاني بعد ما فتحته.
رسالة من رقم مجهول:
“فاكرة إنك كده خلصتي؟ اللي حصل في المارينا ده كان مجرد بداية.”
وقبل ما أكمل قراءة، رسالة تانية وصلت:
“مروان ما كانش لوحده.”
سكت.
وبصيت من الشباك.
أول إحساس حقيقي بعد كل البرود اللي فات…
مش زعل.
قلق.
لكن القلق ده ما كانش خوف من الخسارة.
كان تركيز.
زي ما كنت بدخل اجتماع مصيري في الشركة.
وصلت المقر الرئيسي لـ Aegis Systems.
البناية كانت زي ما هي… عالية، باردة، ومليانة ناس فاكرة إنها آمنة.
لكن أول ما دخلت، السكرتيرة جريت عليا:
“مدام ليلى… في حد مستني حضرتك جوه المكتب التنفيذي.”
“مين؟”
ابتلعت ريقها:
“مروان.”
سكت لحظة.
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة.
مش خوف.
مش صدمة.
دي كانت أول مرة أحس إني راجعة للعبة… بس المرة دي مش بنفس القواعد.
فتحت باب المكتب.
لقيته واقف.
بس مش مروان اللي أعرفه.
كان باين عليه إنه ناوي على حاجة… وحواليه أوراق مفتوحة، وشاشات شغالة، وكأنه مستعد للحرب من بدري.
بصلي وقال بهدوء غريب:
“إنتِ فاكرة
قفلت الباب ورايا ببطء.
وردّيت:
“لا يا مروان…”
“أنا بس غيرت اللاعب.”
والصمت اللي بعد كده… كان بداية جولة تانية.