ابويا وامي
مش نفس الناس اللي كانوا في المحكمة.
أمي كانت بتترعش…
وأبويا عينيه حمرا كأنه ما نامش.
أول ما شافوني قال:
"إحنا جايين نصلّح… نرجع زي الأول."
ضحكت ضحكة صغيرة من غير فرحة:
"زي الأول؟"
قربت خطوة وقلت:
"اللي كان في الأول كان خوف مش حب… تحكم مش عيلة."
أمي بدأت تعيط:
"إحنا غلطنا… بس انتي بنتنا…"
وقفتها بإشارة إيدي:
"كنت بنتكم وأنا بتاكل حقي؟ ولا لما بقيت مصدر فلوس؟"
سكتوا.
وفي اللحظة دي…
أبويا قال فجأة بغضب مكبوت:
"يعني خلاص؟ هتسيبينا نضيع؟"
بصيتله… لأول مرة من غير خوف.
وقلت جملة واحدة:
"أنا ما دمرتش حد…
إنتوا اللي دمرتوا نفسكم لما حطيتوا الفلوس قبل العيلة."
سكتوا تاني.
وبعدين… مشيت.
لكن قبل ما أدخل… سمعت صوت أمي ورايا، ضعيف جدًا:
"سامحينا…
وقفت لحظة…
وبعدين دخلت من غير ما ألتفت.
بعد شهور…
وصلني ظرف صغير.
مفيهوش فلوس…
ولا ورق محاكم…
كان فيه ورقة واحدة بس.
مكتوب فيها بخط أبويا المرتعش:
"إحنا مش طالبين حاجة… بس كنا محتاجين بنتنا مش فلوسها."
قفلت الورقة… وحطيتها في الدرج.
ومشيت عند الشباك.
وقلت لنفسي لأول مرة:
"مش كل اللي بيعتذر… بنرجعله."
لكن المرة دي…
دمعة نزلت.
مش ضعف…
لكن لأن النهاية…
مش دايمًا انتصار كامل.
أحيانًا… بتكون مجرد سلام متأخر.مرّت سنة تقريبًا…
والحياة شكّلت ملامح جديدة غصب عن الكل.
الشغل كبر… وأنا كبرت معاه.
وبقيت أتعلم أعيش من غير ما أستنى كلمة رضا من حد.
لكن في ليلة هادية…
الجرس رن.
الساعة كانت 11 بالليل.
فتحت الباب…
واتجمدت.
أبويا.
بس المرة
قاعد على الكرسي المتحرك.
وشه شاحب… وعيونه فيها حاجة غريبة… مش ندم بس…
كسرة مختلفة.
أمي كانت واقفة جنبه… ماسكة إيده.
قالت بصوت مبحوح:
"هو تعبان… الدكتور قال ضغط وسكر ومضاعفات… ومش عارفين نعمل إيه."
سكتت.
جوايا اتقلب كل حاجة في ثانية.
بس برضه… ما اتحركتش فورًا.
سألته بهدوء:
"إنت جاي ليه دلوقتي يا بابا؟"
بصلي…
وبصوت واطي جدًا قال:
"جاي أعتذر… آخر مرة."
قربت منه خطوة…
وشفت لأول مرة في عينيه خوف حقيقي… مش سيطرة.
كمل:
"أنا كنت فاكر إني بحافظ عليكم… بس طلعت بكسر بيتي بإيدي."
أمي عيطت.
هو كمل:
"لو في يوم جبت حقك… فده عدل… مش قسوة."
سكت.
وبعدين قال الجملة اللي كسرت حاجز جوايا:
"بس أنا مش عايز أموت وإنتي شايلة في قلبك إني أبوكي اللي
السكوت وقع تقيل.
قعدت على الكرسي قصاده.
وبصيتله طويل.
قلت:
"إنتوا أذيتوني… آه.
بس برضه… إنتوا أول ناس عرفتها في حياتي."
دمعت عينيه.
وأمي مسحت دموعها بسرعة.
قمت بهدوء…
ودخلت جبت مياه.
وحطيتها قدامه.
قلت:
"مش هقدر أرجع اللي كان…
بس ممكن نبدأ حاجة أقل وجع."
بصلي كأنه مش مصدق.
الأيام اللي بعدها…
بدأت أزوره.
مش زي بنت راجعة لعيلة مثالية…
لكن زي إنسان بيحاول يقفل باب وجع من غير ما يكسره أكتر.
مروة رجعت فجأة…
بس كانت مختلفة… منهارة، ومش طالبة حاجة.
وقالت:
"أنا خسرت كل حاجة… حتى نفسي."
محدش عاتبها.
لأن الحقيقة…
كلنا كنا خسرنا.
وفي يوم… وهو نايم في المستشفى…
مسك إيدي وقال آخر كلمة:
"أنا فخور بيكي… حتى لو اتأخرت."
وساب إيدي.
من غير ما يطلب
ومن غير ما ياخد حاجة.
وقفت قدام الشباك بعد ما خرجت.
ومشيت دمعة…
بس المرة دي مش وجع.
كانت حاجة اسمها:
"سلام."