فني التكييف بقلم الهواري

لمحة نيوز

فني التكييف لقى صندوق خشب مستخبي فوق السقف.. ولما فتحته اكتشفت سر 'الطفلة الضايعة' من عيلة جوزي!" 
الدنيا كانت حر خنيق في شقتنا الصغيرة في "فيصل"، التكييف مـابقاش بيطلع غير هواء سخن، فجبت فني يشوفه.
الفني اسمه "كارم"، شاب هادي، طلع السلم وفك وش التكييف، وفجأة سكت وبص لفوق وقال بنبرة غريبة:
— "يا مدام.. فيه حاجة غريبة هنا جوه السقف."
قلبي انقبض فجأة: "حاجة إيه يا كارم؟"
مد إيده ورا التكييف وفضل يحسس ثواني، وبعدين شد حاجة.. "صندوق خشب قديم"، بس الغريبة إن مـاكنش عليه تراب كتير!
كارم استغرب وقالي: "ده شكله مـاش قديم أوي يا مدام، التراب اللي عليه قليل."
كارم خلص شغله ومشي، وأنا وقفت قدام الصندوق وهو محطوط على السرير.. كأنه وحش مستني يبلعني. أدهم جوزي مسافر "الإسكندرية" في شغل ومـاش راجع غير بكرة بليل.
فتحت القفل بـإيد بترعش.. مـاكنش فيه دهب ولا فلوس.
كان فيه "صور قديمة".
أول صورة كانت لـبنت صغيرة، لابسة فستان أبيض، وواقفة قدام بيت قديم في الأرياف، وشايلة في إيدها طفل رضيع.
قلبت الصورة اللي بعدها.. وهنا الدنيا اسودت في عيني.
الراجل اللي واقف جنب البنت في الصورة.. هو "حمايا"!
كان أصغر بكتير، بس هو بعينه.
فضلت أقلب في الصور.. نفس الست، نفس الطفلة، ونفس "حمايا".
عيلة أدهم طول عمرهم بيحلفوا بـأخلاق حمايا وإنه كان "الأب المثالي" والزوج اللي مـالوش زي.. أمال مين الست دي؟ ومين الطفلة اللي شايلة الرضيع دي؟ والرضيع ده يطلع مين؟!
دورت في قعر الصندوق، لقيت "جواب" قديم، ورقته صفراء ودايبة من الزمن.
فتحته بـأعصاب باظت خالص، وبدأت أقرأ الكلام اللي مكتوب بخط مهزوز ووجع يقطع القلب:
— "لو الجواب ده وقع في إيد حد.. ابحثوا عن 'ليلى'. ابحثوا عن البنت اللي اترمى لحمها للغرباء عشان تداروا على الفضيحة. هي مـاتتش زي ما قولتم

للناس.. هي لسه عايشة، ودمها بيطاردكم في كل ليلة."
تفتكروا مين "ليلى" دي؟ وإيه الفضيحة اللي حما أدهم حاول يداريها لدرجة إنه يرمي بنته؟ وهل أدهم يعرف السر ده وعشان كدة الصندوق مـاكنش عليه تراب؟ والأهم.. ليلى فين دلوقتي؟
إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الجواب… كلمة "اترمت" فضلت ترن في وداني كأنها صرخة مش مكتوبة.
قعدت على السرير، وبصيت تاني للصورة… البنت الصغيرة اللي شايلة الرضيع.
ملامحها… غريبة… قريبة مني بشكل مرعب.
همست لنفسي:
— "يعني إيه…؟ لا… لا مستحيل…"
قومت بسرعة، وجبت مراية… وبصيت لوشي، وبعدين للصورة… نفس العيون الواسعة… نفس الشامة الصغيرة جنب الشفايف.
وقتها جسمي كله تلج…
— "ليلى…"
الاسم خرج مني من غير ما أحس… كأنه جوايا من زمان.
عدت الليلة عليا بالعافية… كل صوت يرعبني، كل خيال يخوفني.
ومع أول خيط نور، خدت القرار… لازم أروح البيت القديم اللي في الصورة.
سألت واحدة صاحبتي من فيصل أصلها من الأرياف، ووريتها الصورة… بصت فيها شوية وقالت:
— "البيت ده شكله من قرية اسمها ‘العمار’ جنب المنصورة."
من غير تفكير، ركبت مواصلة وروحت.
وصلت القرية، وسألت على البيت… العجايز هناك بصوا لبعض أول ما شافوا الصورة.
واحدة ست كبيرة قربت مني وقالت بصوت واطي:
— "إنتي مين يا بنتي؟"
قولتلها وأنا مخنوقة:
— "بدور على الحقيقة… البنت دي اسمها ليلى؟"
الست اتغير وشها فجأة… وقالت:
— "إنتي تبقي إيه ليها؟"
رديت من غير تفكير:
— "حاسه إني هي…"
سكتت شوية… وبعدين مسكت إيدي وقالت:
— "تعالي…"
دخلت بيت قديم شبه اللي في الصورة…
قعدتني وقالت:
— "من أكتر من 25 سنة… كان فيه راجل غني من المدينة، جه هنا واتجوز بنت غلبانة… وخلف منها بنت اسمها ليلى…"
قلبي بدأ يدق بعنف…
— "بس لما مراته في المدينة عرفت… قامت الدنيا… الراجل خاف على سمعته… وخد الطفلة وهي عندها
3 سنين… وقال للناس إنها ماتت."
دموعي نزلت لوحدها…
— "والأم؟"
قالت بحزن:
— "الأم اتجننت… وماتت بعدها بسنة…"
سكتت لحظة… وبصتلي في عيني:
— "بس الطفلة… محدش شافها تاني."
همست:
— "يمكن أنا…"
الست مسكت وشي بإيديها المرتعشة، وبصتلي كويس…
وفجأة… عيطت!
— "نفس الملامح… نفس عيون أمها!"
رجعت البيت وأنا تايهة… الدنيا كلها اتقلبت.
بالليل… أدهم رجع من السفر.
أول ما شافني، حس إن فيه حاجة غلط:
— "مالك؟ وشك متغير كده ليه؟"
رميت قدامه الصور… والجواب.
وشه اصفر فجأة…
— "إيه ده؟! إنتي جبتي الحاجات دي منين؟!"
صرخت فيه:
— "قوللي الحقيقة يا أدهم! مين ليلى؟!"
سكت… وبص في الأرض.
— "كنت عارف… مش كده؟"
رد بصوت مكسور:
— "أنا… عرفت من فترة قريبة… لما بابا تعب… اعترفلي بكل حاجة…"
قلبي اتكسر:
— "وخبّيت عليا؟!"
قال وهو بيبصلي بصدمة:
— "أنا مكنتش أعرف… إنك… إنتي…"
سألته وأنا بترعش:
— "أنا إيه؟!"
همس:
— "إنتي ليلى…"
وقتها حسيت الأرض بتلف بيا…
أنا مش بس زوجته…
أنا البنت اللي أبوه رماها…
يعني… أنا وهو…
قرايب؟!
صرخت وأنا ببعد عنه:
— "إنتو عملتوا فيا إيه؟!"
وفي اللحظة دي… سمعنا صوت حاجة بتتكسر جوه الشقة…
لفينا ناحية الصوت…
ولقينا باب الأوضة مفتوح لوحده…
والصندوق الخشب… مفتوح تاني…
وجواه حاجة مكنتش موجودة قبل كده…
"صورة جديدة"…
ليّا أنا… وأنا طفلة…
وفي ضهري مكتوب:
— "الحقيقة لسه مخلصتش… واللي جاي أسوأ."قلبي كان هيقف…
بصيت للصورة الجديدة وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
الصورة كانت ليا فعلًا… وأنا صغيرة، نفس الفستان الأبيض… بس المرة دي مش واقفة لوحدي.
كان في حد واقف ورايا…
وشه متشال أو ممسوح كأنه متعمد يتخبي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بقلب الصورة…
مكتوب وراها:
— "مش كل اللي اتدفن… مات."
رفعت عيني لأدهم… لقيته باصص للصورة ومش قادر يتكلم.
همست:
— "
مين ده؟"
بلع ريقه وقال بصوت واطي:
— "دي… مش أول مرة أشوف الصورة دي."
صرخت فيه:
— "يعني إيه؟!"
قعد على الكرسي كأن رجله خانته:
— "بابا… كان بيصحى مفزوع كل ليلة… ويقول نفس الجملة… (مش كل اللي اتدفن مات)… وكنت فاكره بيهذي."
سكت لحظة… وبعدين كمل:
— "وكان دايمًا يقول اسم…"
اتجمدت مكاني:
— "اسم مين؟!"
بصلي… وقال:
— "مروة."
الاسم ضربني زي صاعقة…
— "مروة؟! أختك؟!"
أدهم هز راسه ببطء:
— "أيوه…"
رجعت خطوتين لورا وأنا مش مستوعبة:
— "إيه دخل مروة بكل ده؟!"
قال وهو بيحط إيده على راسه:
— "مروة… مش أختي الحقيقية."
الدنيا لفت بيا…
— "إزاي يعني؟!"
— "بابا جابها وهي رضيعة… بعدها بسنة من اختفاء ليلى… وقال إنها بنت قريبة لينا ماتوا في حادث."
اتنفض جسمي كله:
— "يعني…"
قال بصوت مرعوب:
— "ممكن تكون هي… نفس الطفل اللي في الصورة… اللي كانت ليلى شايله."
قعدت على الأرض من الصدمة…
— "يعني أنا كنت شايلة طفلة… والطفلة دي كبرت وبقت… مروة؟!"
أدهم سكت… ووشه كله خوف.
فجأة… سمعنا صوت خبط جامد على باب الشقة.
خبط… خبط… خبط!
أنا وأدهم بصينا لبعض… الرعب مالي عيونا.
الصوت وقف… وبعدين جه صوت من بره…
صوت ست…
هادي… بس مرعب:
— "افتحي يا ليلى… أنا مستنياكي من زمان."
الدم جمد في عروقي…
بصيت لأدهم وهمست:
— "إنت سامع؟!"
هز راسه ببطء…
الصوت اتكرر… أقرب:
— "افتحي… عشان تعرفي الحقيقة."
مشيت ناحية الباب كأني مسحورة…
وأدهم ورايا بيقول:
— "استني! بلاش تفتحي!"
بس إيدي كانت خلاص على المقبض…
وفتحت.
وقفت قدامي ست في أواخر الخمسينات… وشها شاحب… بس عينيها مليانة وجع.
أول ما شافتني… دموعها نزلت.
— "كبرتي يا ليلى…"
همست وأنا مصدومة:
— "إنتي… مين؟"
قالت بصوت مكسور:
— "أنا أمك."
اتجمدت…
— "إنتي قولتي إنك… ماتت؟!"
ابتسمت بحزن:
— "ده اللي هم حبوا الناس تصدقه… بس الحقيقة…
أنا اللي هربت."
أدهم قرب وقال بحدة:
— "إنتي بتقولي إيه؟!"
بصتله بنظرة نار:
— "اسأل أبوك… هو اللي حاول يقتلنا."
حسيت الأرض بتنهار تحت رجلي…
— "إيه؟!"
قالت وهي بتعيط:

تم نسخ الرابط