روحت المستشفى
روحت المستشفى وأنا متعصبة…
أيوه، المرة دي كنت رايحة أواجهه.
مش رايحة أتكلم بهدوء، ولا أعدّي الموضوع، ولا أضحك كأني مش شايفة.
30 سنة جواز… وكمية تغيير حصلت فجأة؟
لا، المرة دي أنا اللي هسأل… وهو اللي هيرد.
كنت ماسكة شنطتي بإيدي بقوة لدرجة إن صوابعي وجعتني.
قلبي بيدق بسرعة… إحساس غريب بين خوف وغضب مش فاهماله سبب.
وأنا ماشية في طرقة المستشفى… ريحة المطهرات خانقة… والإضاءة بيضا وقاسية…
كل حاجة حواليّا هادية… إلا دماغي.
أفكار بتجري…
مواقف قديمة…
تصرفات غريبة حاولت أعدّيها…
كنت حافظه رقم الأوضة عن ظهر قلب:
212
كل خطوة كانت تقيلة…
بس ما وقفتش.
وقفت قدام الباب…
خدت نفس عميق… وحطيت إيدي على المقبض.
كنت داخلة أواجهه…
أفهم… يمكن أعاتب… يمكن أزعق…
بس على الأقل… أطلع بإجابة.
فتحت الباب بسرعة…
واتجمدت.
شنطتي وقعت من إيدي.
المفاتيح خبطت في الأرض بصوت عالي… كأنها نبهت الكل.
هو بصلي.
جوزي…
كان قاعد جنب سرير مريضة.
وبيأكلها بإيده.
لا… المشهد ما كانش زي ما دماغي رسم.
الست كانت ضعيفة… وشها شاحب… باين عليها تعبانة بجد.
مش أي
بس اللي لفت نظري…
كان هو.
الطريقة اللي بيتعامل بيها.
الهدوء…
الاهتمام…
التركيز في كل حركة.
كان بيمسح بوقها برقة… ويتكلم معاها بصوت واطي…
كأنه بيطمن طفل صغير.
وقتها حسيت بحاجة غريبة…
مش غيرة… ولا شك…
حسيت إني أول مرة أشوفه بجد.
وفجأة… عيني وقعت على إيده.
الساعة.
الساعة اللي جبتهاله في عيد جوازنا الـ30.
اللي تعبت عشان أجيبها… وكتبت وراها:
"دايمًا بتاعي"
كان لابسها…
بس المرة دي… فهمت معناها بشكل مختلف.
لما شافني… وشه اتفاجئ.
"إنتي؟"
قام بسرعة… وقال:
"استني… خليكي أشرح لك—"
بس أنا ما رديتش.
كنت لسه واقفة… ببص على المشهد كله…
وبفهم حاجة جديدة.
مش كل حاجة كانت زي ما أنا متخيلة.
رجعت خطوة لورا… وخدت نفس طويل.
مشيت بهدوء المرة دي…
مش بجري.
خرجت من الأوضة… وعدّيت في نفس الطرقة…
بس الإحساس اتغير.
وصلت العربية…
قعدت وساندة راسي على الدريكسيون…
بس ما عيطتش.
كنت بفكر.
أنا ما كنتش رايحة أتخانق.
أنا كنت رايحة أواجه فكرة في دماغي.
بس اللي حصل…
إني شفت جانب تاني خالص.
جانب خلاني أسأل
إمتى آخر مرة بصيت له… وفهمته من غير ما أحكم؟
يمكن المشكلة ما كانتش زي ما أنا فاكرة…
ويمكن المواجهة الحقيقية…
مش هتكون بالصوت العالي.
هتكون بالفهم.
ولسه… الحكاية ما خلصتشفضلت قاعدة في العربية شوية…
إيدي لسه على الدريكسيون… وببص قدامي من غير ما أشوف حاجة.
كل اللي حصل كان بيلف في دماغي بسرعة غريبة…
المشهد… صوته… هدوءه… طريقته.
حاجة جوايا اتغيّرت…
مش ضعف… بالعكس… وضوح.
ما طولتش.
نزلت من العربية…
ورجعت تاني.
نفس الطريق… نفس الريحة… نفس الإضاءة القاسية…
بس أنا… مش نفس الشخص اللي دخل من شوية.
وقفت قدام أوضة 212…
بس المرة دي… خبطت.
صوتي كان هادي:
"ممكن أدخل؟"
هو فتح الباب…
وبصلي بنظرة فيها توتر… واستغراب.
"إنتي رجعتي؟"
هزيت راسي ودخلت.
المريضة كانت نايمة المرة دي… نفسها منتظم… ووشها أهدى.
الجو في الأوضة ساكت… مفيهوش غير صوت الأجهزة الخفيف.
بصيت له… وقلت بهدوء:
"ممكن نتكلم بره؟"
خرجنا ووقفنا في الطرقة.
فضل ساكت شوية… كأنه بيجهز كلام كتير.
بس أنا سبقته.
"هي مين؟"
السؤال خرج بسيط… بس تقيل.
بص في الأرض لحظة… وبعدين
"بنت صاحب قديم ليا… مالهاش حد خالص… دخلت في حالة صعبة جدًا… ومافيش غيري وقف جنبها."
كنت ببص في عينه وأنا بسمع.
مش بدور على إجابة… بدور على صدق.
"وليه ما قلتليش؟"
السؤال ده خلاه يسكت أطول.
وبعدين قال بصوت واطي:
"عشان عارفك… كنتي هتشيلي هم… وكنتِ أصلاً مضغوطة…
وحبيت أتصرف لوحدي."
ضحكت ضحكة خفيفة… بس ما كانش فيها هزار.
"لوحدك؟ بعد 30 سنة سوا؟"
بصلي ساعتها… لأول مرة بشكل صريح.
"أنا غلطت… مش في اللي عملته… بس في إني ما شاركتكيش."
سكتنا.
ثواني عدّت… بس كانت تقيلة.
بصيت ناحية باب الأوضة…
وبعدين رجعت أبص له.
"إنت فاكر أنا كنت داخلة هنا أعمل إيه؟"
هز راسه بالنفي.
قلت بهدوء:
"كنت جاية أتصور أسوأ حاجة ممكنة… وأتخانق… وأكسر كل حاجة بينا."
اتنهدت…
"بس اللي شوفته… خلاني أفهم حاجة أهم."
قربت خطوة… وصوتي كان ثابت:
"إحنا بقالنا سنين عايشين جنب بعض… مش مع بعض."
الكلام نزل تقيل… بس حقيقي.
هو ما ردش.
واضح إن الجملة وصلت.
كملت:
"أنا مش زعلانة إنك ساعدت حد…
أنا زعلانة إنك بقيت غريب عني… لدرجة إني خمنت فيك أسوأ حاجة."
عيني
"ويمكن الغلط مش عليك لوحدك."
سكتنا تاني…
بس المرة دي… الصمت ما كانش مؤلم.
كان صمت فيه بداية فهم.
لفيت أمشي…
بس وقفت قبل ما أتحرك.