روحت المستشفى

لمحة نيوز

"لما تخلص هنا… إحنا محتاجين نقعد ونتكلم بجد."
نزلت من المستشفى تاني…
بس المرة دي…
ما كانش فيه جري… ولا انهيار.
كان فيه حاجة أهم:
حقيقة ظهرت…
وخطوة أولى… يمكن تنقذ اللي فاضل.
أو على الأقل…
تخلينا نواجه النهاية بصدق.نزلت من المستشفى وأنا حاسة إن في حاجة تقيلة اتحطت على صدري…
بس في نفس الوقت، حاجة كانت بتتفك.
ركبت العربية… ومشيت ببطء.
ما فتحتش الراديو… ما مسكتش الموبايل…
كنت محتاجة أسمع صوتي أنا.
وصلت البيت…
نفس البيت اللي عشنا فيه سنين…
بس أول مرة أحس إنه واسع زيادة… وهادي زيادة.
حطيت شنطتي على الترابيزة…
وبصيت حواليّا.
كل حاجة ليها ذكرى…
كل ركن فيه حكاية.
بس فجأة… حسيت إن الذكريات دي… بقت ساكنة لوحدها.
قعدت على الكرسي…
وجبت موبايلّي… وفتحت الصور.
رحلات… مناسبات… ضحك…
بس المرة دي… ما كنتش ببص على الصور…
كنت بدور على حاجة تانية.
إمتى بدأ البعد؟
إمتى بقينا بنتكلم أقل؟
إمتى بقى كل واحد فينا عايش في عالم لوحده؟
قعدت بالساعات…
لحد ما سمعت صوت باب الشقة
بيتفتح.
قلبي دق… بس ما قمتش.
دخل…
خطواته كانت بطيئة… كأنه مش عارف يبدأ منين.
وقف عند باب الصالة…
وشافني قاعدة.
"إنتي صاحية؟"
سؤال بسيط…
بس وراه خوف واضح.
بصيت له… وقلت بهدوء:
"مستنياك."
قعد قدامي…
وسكتنا شوية.
المرة دي… مافيش حد بيهرب.
بدأ هو:
"أنا عارف إن اللي حصل النهارده… كان صعب عليكي."
هزيت راسي:
"الصعب مش اللي شوفته…
الصعب إني حسيت إني آخر واحدة تعرف."
الكلام نزل بينّا… تقيل… بس لازم.
اتنهد وقال:
"أنا كنت فاكر إني بحميكي…"
قاطعته بهدوء:
"الحماية مش إنك تبعدني…
الحماية إنك تخليني معاك."
سكت…
واضح إنه بيستوعب.
بصيت له وسألته:
"إنت مرتاح كده؟
إحنا كده طبيعيين؟"
السؤال كان مباشر…
ومافيش منه هروب.
بص في الأرض… وبعدين قال:
"لأ… إحنا بقالنا فترة مش زي زمان."
أول مرة يعترف.
قربت شوية… وصوتي كان هادي بس حاسم:
"يبقى قدامنا اختيارين…
يا نكمّل بنفس الشكل لحد ما كل حاجة تبوظ خالص…
يا نوقف… ونفهم إحنا وصلنا لكده إزاي."
رفع عينه لي…
وفيها حاجة كانت غايبة
بقالها كتير… رجعت.
اهتمام.
قال بهدوء:
"وأنتي عايزة إيه؟"
خدت نفس طويل…
"أنا مش عايزة أرجع للي فات…
أنا عايزة نبدأ من جديد… بس بصدق."
سكتنا…
بس المرة دي… الصمت كان أهدى.
قام… ومشي ناحية المطبخ…
وبعدين رجع بكوبين شاي.
حط واحد قدامي…
وقعد.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
"ممكن نبدأ من هنا؟"
بصيت للكوب… وبعدين له…
وابتسمت.
يمكن الحياة ما بترجعش زي الأول…
بس أوقات… بتدي فرصة نبني حاجة أهدى… وأصدق.
وفي الليلة دي…
ما اتحلتش كل المشاكل.
بس حصلت أهم حاجة:
اتكلمنا… بجد.
ولأول مرة من سنين…
حسّيت إننا مش واقفين قصاد بعض…
إحنا واقفين جنب بعض.
والباقي؟
لسه جاي…
بس المرة دي… إحنا مستعدين.عدّت أيام بعدها…
مش سهلة… ومش سريعة…
بس مختلفة.
بقينا بنتكلم أكتر… حتى لو الكلام تقيل.
بقينا نسأل… بدل ما نفترض.
ونسكت… بس من غير ما نهرب.
في يوم… وهو راجع من المستشفى، دخل وهو شكله مرهق…
بس أول ما شافني، ابتسم.
الابتسامة دي… كانت بقالها سنين مش حقيقية.
بس المرة دي… حسّيتها.
قعدنا
سوا على السفرة…
من غير موبايلات… من غير تلفزيون.
قال فجأة:
"أنا كنت فاكر إن الاستقرار معناه إن كل حاجة تفضل زي ما هي…
بس طلعت غلط."
بصيت له وسكت… مستنياه يكمل.
قال:
"إحنا وقفنا نحاول… وافتكرنا إن ده كفاية."
هزيت راسي:
"ويمكن أنا كمان بطلت أطلب… وخفت أغير أي حاجة."
ابتسم ابتسامة خفيفة:
"يعني الاتنين غلطنا."
رديت بهدوء:
"يعني الاتنين لسه قدامنا فرصة."
سكتنا…
بس الصمت كان دافي.
بعدها بكام أسبوع…
رجعنا نزور أماكن كنا بنحبها…
نمشي سوا… نتكلم عن حاجات صغيرة… نضحك على مواقف عادية.
مش رجعنا زي زمان…
بقينا أحسن.
وفي يوم… وأنا واقفة في البلكونة… وهو جنبي…
بصلي وقال:
"فاكرة اليوم اللي روحتي فيه المستشفى؟"
ابتسمت وقلت:
"مستحيل أنساه."
قال بهدوء:
"أنا كمان…
لأنه كان ممكن يكون نهاية كل حاجة…
بس طلع بداية."
بصيت له…
وحسّيت إني أخيرًا شايفاه بوضوح…
مش كزوج وبس…
كإنسان.
مسكت إيده…
وقلت:
"إحنا ما خسرناش بعض…
إحنا بس كنا تايهين."
ابتسم… وضغط على إيدي.
وفي اللحظة
دي…
فهمت حاجة مهمة:
الحب مش إنه يفضل ثابت…
الحب إنه يتجدد… حتى بعد ما يتعب.
النهاية؟
مش إن كل حاجة بقت مثالية…
لكن إننا اخترنا…
كل يوم…
نبقى مع بعض من جديد.

تم نسخ الرابط