اخدو كليتي

لمحة نيوز

أخدوا كليتي عشان خاطر ابنهم اللي طول عمرهم بيحبوه أكتر مني.
اللحظة اللي شفت فيها اسم أمي مكتوب في خانة الموافقة، الموضوع مابقاش مجرد خيانة عائلية.. الموضوع بقى كابوس قانوني هيوديهم ورا الشمس.
لما فقت، أول حاجة خبطت فيا كانت الإضاءة.
إضاءة المستشفى القوية دي.. البيضاء زيادة، النضيفة زيادة، واللي بتبين كل حاجة بوضوح.
النور كان فارد نفسه في كل حتة في الأوضة؛ الستائر، المونيتور، كوز المية البلاستيك، والكرسي الرخيص اللي في الركن.. لثانية واحدة ماكنتش عارفة أنا فين.
وبعدين الوجع ظهر.
وجع في جنبي الشمال من تحت. وجع عميق، بيحرق، وجع مش طبيعي.
مش شد عضلي، ولا وجة نومة غلط.
لا، ده وجع غلط.
إيدي راحت لضهري قبل ما عقلي يستوعب. شاش.. بلاستر.. قطن. وتحت كل ده، سطر من الوجع حامي جداً، كأن حد قص حتة مني وخيّط المكان قبل ما ألحق أفوق وأقاوم.
نفسي انقطع لثانية.
وفهمت.
أنا بقالي 11 سنة شغالة في غرف العمليات. عارفة الفرق بين أنواع الوجع. عارفة يعني إيه جرح عملية، وعارفة الجسم بيبقى عامل إزاي لما يتفتح.
اللي حصل ده ماكنش مجرد إجراء بسيط.
دوست على زرار الاستدعاء.
مرة.
تانية.
وفضلت أدوس لحد ما صباعي بدأ يترعش.
دخلت ممرضة. صغيرة في السن، شقراء، وعلى وشها ابتسامة مشدودة.. النوع ده من الوشوش اللي بتلبسه الممرضات لما يكونوا عارفين إن المريض اللي جوه هيعمل مشكلة.
قالت لي إنتي صحيتي؟
رديت عليها أنا عملت عملية إيه؟
الابتسامة اختفت تماماً من وشها.
قالت الدكتور جاي حالاُ.
بصيت لها في عينها أنا عملت عملية إيه؟
بصت في التقرير وهربت ب عينها مني من فضلك حاولي تهدي.
هنا

الخوف بقى صافي.. بارد.. حقيقي.
حاولت أقوم نص قومة وكنت هقطع نَفَس. الوجع ضرب في جنبي لدرجة إن عيني زغللت وشفت بياض. رجعت لورا على المخدة وأنا بلهث.
جزيت على سناني وقلت لها أنا عارفة الجرح ده بتاع إيه.. قولي لي عملوا فيا إيه.
بلعت ريقها وقالت الدكتور هيشرح لك.
ومشيت.. سابتني ومشيت.
فضلت نايمة والمونيتور بيصفر ونبضي بيدق في وداني، وبحاول أرجع بذاكرتي لورا وسط الضباب اللي في دماغي.
المشوار بالعربية.
العيادة.
أمي وهي بتقابلني في الركنة.
كوباية مية ورقية في أوضة الكشف.
جزمة أبويا في الطرقة.
دكتور شعره شايب بيتكلم بصوت واطي وناعم.. الصوت الغالي اللي الرجالة اللي زيه بيستخدموه عشان يخلوكي تسترخي وما تسأليش الأسئلة الصح.
وبعدين.. مفيش. سواد.
دي الحتة اللي خلت جسمي يقشعر.
لأني كنت عارفة قبل ما حد يقول لي.
بس فيه فرق كبير بين إنك تحس إن فيه حاجة وحشة حصلت.. وبين إنك تسمع هما سرقوا منك إيه بالظبط.
لما الدكتور دخل أخيراً، كان شكله بالظبط زي الدكاترة اللي العائلات الغنية بتثق فيهم من غير أسئلة.
في الستينات، شعر فضي، نضارة شيك، وش هادي.. باكدج الجراح الشاطر المتلمع.
قعد جنبي كأننا هنردد كلمتين عاديين.
قال لي آنية رينولدز.. يسعدني أقول لك إن العملية نجحت.
جسمي كله سقع.
عملية إيه؟
سكت شوية كأنه فاكرني مهلوسة.
قال تبرعك بالكلية.. أخوكي حالته مستقرة، والكلية شغالة كويس جداً.
فضلت بَصّة له.
وبعدين قلتها بالراحة، لأني كنت محتاجة كل كلمة ترن في ودنه
أنا عمري ما وافقت على أي تبرع.
ملامحه اتغيرت. حاجة بسيطة بس أنا شفتها. الثقة اللي كانت على وشة اتهزت.
فتح
الملف وقال الممثل القانوني بتاعك هو اللي مضى.
حسيت بموجة غريبة من السخونية والبرودة ماشية في جسمي.
أنا ماليش ممثل قانوني.
كشر كأن الموضوع بدأ يبقى مزعج بالنسبة له والدتك مضت نيابة عنك.
فضلت متنحة له أنا عندي 34 سنة!
طلع الورقة وادهالي كأن الورقة دي هي اللي هتصلح الجنان اللي قاله.
الخانة بتاعة توقيع المريض كانت فاضية.
فاضية.
وتحتها، في خانة الولي القانوني المفوض، كان إمضاء أمي بالحبر الأزرق.
أمي.. أمي أنا.
أظن دي اللحظة اللي الغضب فيها غلب الوجع.
مش عشان اتصدمت إنهم اختاروا أخويا.. الحتة دي؟ يمكن كنت عارفاها طول عمري.
هو دايماً المركز.. هو دايماً حالة الطوارئ.. هو اللي يستاهل نكسر القواعد عشانه، ونصرف عليه، ونحميه، ونلاقي له أعذار، وننقذه.
أنا كنت مجرد بنت يعتمد عليها.. اللي بتعرف تتصرف.. اللي هتتقبل الوضع.. اللي هتعدي الأزمة.
بس لحد كدة وكفاية.
تخدروني؟ وتمضوا بدالي؟ وتخلوا حد يفتح جسمي ويآخد عضو مني كأني مخزن قطع غيار لابنكم اللي بتحبوه؟
ده موضوع تاني خالص.
دي جريمة.
بصيت للدكتور في عينه وقلت له أنا ممرضة مجازة ومعايا رخصة. اشتغلت في حوادث وعمليات وجراحة عامة. عايشة لوحدي، وبدير فلوسي بنفسي. عمري ما كان ليا وصي، ولا حد مسؤول عني، ولا عمري كان عندي أي مانع قانوني في حياتي. ف لازم تفهم حاجة كويس قوي، ودلوقتي حالاً.
هو اتسمر في مكانه. 
مشيره_محمد
رفعت الورقة اللي فيها إمضاء أمي وإيدي كانت بتترعش من القهر
دي مش موافقة.. دي جناية. وانا مش هسكت.... لو قريت سكتّ لحظة بس السكون اللي جوايا ماكنش هدوء، كان انفجار بيتجهّز.
الدكتور حاول يتكلم
إحنا
اتبعنا الإجراءات وجود توقيع ولي الأمر
قاطعته بصوتي المرة دي كان أهدى من الأول، أخطر
إجراءات إيه على واحدة عندها 34 سنة؟ وإيه اللي يخليكم تصدّقوا إن أمّي عندها حق تمضي بدالي؟
فتح فمه، لكن الكلام ماطلعش.
أنا كنت شايفة في عينه حاجة واحدة إنه بدأ يفهم إن اللي قدامه مش مريضة، ولا حالة ما بعد تخدير دي قضية.
مددت إيدي بالملف، وقربته مني وأنا بقرأ كل سطر فيه كأني بفتش عن جريمة مكتوبة بالحبر.
تاريخ العملية توقيت التخدير اسم الجراح
رفعت عيني له فجأة
فين الموافقة الصوتية؟ فين تسجيل الجلسة اللي المفروض تتأكد إن المريض واعي؟ فين بصمة إبهامي؟
سكت.
سكونه كان إجابة.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بعنف.
دخلت ست في أواخر الخمسينات، أنيقة زيادة عن اللزوم، عينيها بتدور في المكان بسرعة لحد ما وقعت عليا.
أمي.
بس مش أمي اللي أعرفها دي نسخة تانية. وش متماسك، بس تحت التماسك فيه توتر بيخبي جريمة.
قالت بسرعة
إنتي صحيتي الحمد لله متخافيش يا حبيبتي، إحنا عملنا اللي فيه الخير لأخوك
ضحكت ضحكة قصيرة، مش ضحكة فرح ضحكة صدمة
الخير؟
قربت خطوة منها، والممرضة رجعت لورا تلقائي.
إنتي مضيتي على ورق باسمي. وسمحتي لحد يفتح جسمي من غير علمي. وبتقولي الخير؟
صوتها هدى فجأة
أخوكي كان بيموت وإنتي أقوى وإنتي كنتي هتتفهمي
هنا حاجة جوايا اتكسرت.
مش وجع العملية لأ وجع الحقيقة.
يبقى تموتوا أنا بدل ما تموتوا هو؟
سكتت.
وفي الصمت ده، أنا سمعت صوت الباب التاني بيتفتح تاني.
بس المرة دي مش دكتور.
شرطة المستشفى.
ومعاهم واحد لابس بدلة، ماسك ملف سميك، عينه عليا مباشرة.
قال بهدوء
دكتورة آنية رينولدز؟
إحنا من الشؤون القانونية الطبية. وصلنا بلاغ رسمي بخصوص عملية زرع كلية غير موثقة لموافقة المريض.
لفيت
تم نسخ الرابط