اخدو كليتي

لمحة نيوز

بصيت لأمي.
وكانت المرة الأولى اللي أشوف الخوف الحقيقي في عينيها.
أنا ابتسمت بس ابتسامة مفيهاش أي رحمة.
قولتلهم دي مش موافقة.
سكت لحظة، وبعدين كملت
دي جناية.
وخطوت خطوة لقدّام وأنا عارفة إن اللي جاي مش بس محكمة.
ده انهيار عيلة كاملة كانت فاكرة إنّي هسكت الضابط بصّ للملف، وبعدين بصّلي، وقال بنبرة هادية بس قاطعة
إحنا محتاجين نسمع روايتك كاملة من أول لحظة.
قبل ما أفتح بُقي، أمي سبقتني.
دي بنتي تعبانة ومتلخبطة من البنج مفيش حاجة من دي حصلت بالشكل اللي بتقوله
ضحكت تاني بس المرة دي الضحكة طلعت مكسورة.
أنا لسه خارجة من بطني مفتوحة وبتقولي ملخبطة؟
البدلة وقف قدام السرير
فيه تسجيلات كاميرات في الممرات وفيه أوراق موافقات تم مراجعتها مبدئياً بس لسه التحقيق مفتوح.
لفيت راسي ببطء
مفتوح؟
قربت إيدي من طرف السرير، ضغطت عليه عشان أرفع نفسي شوية رغم الألم.
يعني حد فكر إن توقيع أم على بنت بالغة ينفع يعدّي؟ حد فكر إن دكتورة في مستشفى كبير ممكن تتسرق منها كلية من غير ما حد يسأل؟
الدكتور اللي كان واقف أول مرة رجع خطوة لورا.
أول مرة أشوفه مش واثق.
أمي فجأة قالت بسرعة، كأنها بتحاول تلحق الموقف
إحنا كنا مضطرين ابنها كان بيموت وإنتي عندك كلية سليمة وإنتي كنتي هتتفاهمي بعدين
هنا بصّيت لها.
بصّة طويلة تقيلة كأنها آخر خيط كان رابطني بيها اتقطع.
إنتي شيلتي مني قرار حياتي وبعدين قررتي بدلّي أعيش بيه؟
سكتت.
والسكوت ده كان اعتراف.
الضابط رفع عينه للممرضة
مين حضر التجهيز للعملية؟
الممرضة بلعت
ريقها وقالت
كان في أوامر مباشرة من الإدارة وقالوا إن الحالة طارئة وعائلية وإن المريضة موافقة.
رفعت صوتي فجأة
أنا مكنتش واعية! أنا كنت مخدّرة! يعني إيه موافقة؟
في اللحظة دي، جهاز المونيتور جنب السرير عمل صوت عالي.
بيب بيب بيب
مشيت عيني عليه.
وابتسمت.
عارفة إيه أكتر حاجة مضحكة؟
بصوا لي كلهم.
إن اللي فاكرين إنهم خلصوا العملية نسوا حاجة واحدة.
سكتوا.
أنا كملت ببطء
إن أنا شغالة جوه نفس النظام ده وبفهم كل ورقة وكل ثغرة وكل توقيع ممكن يتحول لجناية.
الدكتور همس
إنتي بتقولي إيه؟
رفعت التليفون اللي كان على الكومودينو بإيدي الضعيفة.
بقول إن أول ما فوقت سجلت الصوت اللي حواليا.
سكون.
أمي وشها اتغير.
مرة واحدة.
وإن كل كلمة اتقالت هنا من أول ما صحيت متسجلة.
الضابط مد إيده بسرعة
هاتِ التليفون ده.
لكن أنا كنت أسرع.
لا النسخة التانية وصلت بالفعل.
رفعت عيني للسقف، وكأن فيه كاميرا مش باينة.
اترفعت للسيرفر الخارجي اللي بشتغل عليه في المستشفى التاني.
اللحظة دي الغرفة كلها اتجمدت.
حتى صوت الأجهزة هدى كأنه بيحترم الصدمة.
أمي همست
إنتي عملتي كده ليه؟
بصيت لها للمرة الأخيرة.
مش بغضب.
ببرود.
علشان أنا مش الكلية اللي خدتوها مني أنا الدليل اللي هيحبسكوا بيه.
والباب اتفتح تاني.
بس المرة دي دخلوا فريق تحقيق كامل.
ومع أول خطوة جوه بدأت حياتهم هم تقع، مش حياتي أنا الضابط الكبير اللي دخل كان شكله مختلف عن الباقيين هدوءه نفسه كان مرعب.
وقف في نص الأوضة وقال
كل اللي موجودين هنا هيتحولوا للتحقيق
فوراً. مفيش خروج لأي حد.
أمي اتجمدت في مكانها.
أول مرة أشوفها مش ماسكة زمام أي حاجة.
الدكتور حاول يتكلم
أنا اتبعت أوامر المستشفى مكنتش أعرف إن
قاطعه الضابط بنظرة واحدة
هتتكلم قدام النيابة.
الممرضة بدأت تبكي بصمت.
أما أنا فكنت ساكتة.
مش لأني انتهيت لكن لأني بدأت أفهم حجم اللي حصل.
الوجع في جنبي كان لسه موجود، بس بقى أبعد كأنه مش أهم حاجة دلوقتي.
اللي أهم إن الورق اتفتح والحقيقة خرجت للنور.
واحد من فريق التحقيق قرب مني وقال بهدوء
إحنا محتاجين نقلّك غرفة آمنة المستشفى مش مكانك دلوقتي.
هزّيت راسي ببطء
قبل ما أتحرك عايزة أشوف التقرير.
رد
أي تقرير؟
قلت وأنا بضغط على كل كلمة
تقرير العملية كامل. مين وافق. مين وقّع. ومين نفّذ.
جابهولي.
فتحته بإيدي الضعيفة وقلبي كان بيخبط أسرع من الأجهزة اللي حواليا.
صفحات توقيعات أختام كلها شكلها رسمي.
بس في آخر صفحة
في خانة صغيرة جدًا مكتوب فيها
تم التحقق من موافقة المريضة شفهياً.
ضحكت.
ضحكة قصيرة بس كانت كفيلة تخلي كل اللي في الأوضة يسكت أكتر.
رفعت الورقة
دي الجملة اللي هتسقطكم كلكم.
الضابط قال
ليه؟
بصيت له
لأني كنت تحت تأثير تخدير كلي وقتها.
سكون تاني.
وأكملت
وده مثبت في سجل التخدير اللي أنا شايفاه هنا.
الدكتور فتح فمه بس ماطلعش صوت.
الممرضة قالت بصوت مكسور
إحنا كنا فاكرين إن فيه موافقة قانونية إحنا
قاطعها الضابط
الجهل مش دفاع.
أمي فجأة صرخت
أنا عملت ده عشان ابني! أي أم مكانّي كانت هتعمل كده!
لفيت لها ببطء.
لا.
أي أم مكانِك كانت تحاول
تنقذ ابنها من غير ما تسرق حياة بنتها.
سكتت.
وفي اللحظة دي باب الأوضة اتفتح مرة تانية.
ودخل محامي المستشفى.
لكن أول ما شاف الأوراق وقف مكانه.
وبص للضابط وقال جملة واحدة
القضية دي مش خطأ طبي دي جريمة منظمة داخل المستشفى.
الغرفة كلها اتغيرت في ثانية.
الهمس اختفى.
والخوف بقى رسمي.
وأنا
اتسندت على السرير، وغمضت عيني لحظة.
مش استسلام
ده أول نفس حقيقي آخده من ساعة ما صحيت الهدوء اللي دخل الأوضة بعد جملة المحامي كان أخطر من أي صراخ.
الضابط لفّ الملف بإيده وقال
كل الموجودين هيتحبسوا على ذمة التحقيق، وممنوع أي تواصل خارجي.
أمي رجليها اتهزّت.
أول مرة أشوفها بتقع من غير ما حد يلمّها.
قربت خطوة مني، صوتها مكسور
أنا أمك أنا كنت خايفة عليكوا أنا
قاطعتها بهدوء موجع
أنتِ اخترتي تخافي على واحد وتدفعي التاني تمن الخوف ده.
سكتت.
الكلمة وقفت في حلقها.
الدكتور اتسحب من المكان وهو مطأطئ رأسه، والممرضة قاعدة على الأرض بتعيط، والمحامي بيكتب ملاحظات بسرعة كأنه بيحاول يلحق يسجل انهيار نظام كامل.
بعد دقائق، دخل فريق طبي تاني علشان ينقلني.
وأول ما اتحرك السرير، بصّيت للسقف.
نفس السقف الأبيض اللي صحيت تحته بس المرة دي كان مختلف.
مش سقف مستشفى.
كان سقف بداية جديدة.
قبل ما يطلعوني من الأوضة، الضابط قرب مني وقال بهدوء
إنتي هتكوني شاهدة رئيسية في القضية.
هزّيت راسي.
وأول مرة في حياتي هكون شاهدة مش ضحية.
الممر اتفتح.
وأول ما السرير بدأ يتحرك، سمعت صوت أمي من ورايا بعيد، مكسور، مش شبهها
سامحيني
ما
رديتش.
لأن في اللحظة دي فهمت حاجة واحدة بس
فيه أخطاء ممكن تتغفر
وفيه قرارات بتقفل باب الرجوع للأبد.
وخرجت من الغرفة وأنا مش راجعة نفس الشخص اللي دخلها.

تم نسخ الرابط