بعد شهرين

لمحة نيوز


صوتي اتكسر لأول مرة:
"تلاتة نسخ منك… كبرت من غيرك."
القاعة كلها كانت ساكتة دلوقتي.
حتى الموسيقى اتقفلت.
شيرين بصت له بصدمه:
"إنت كنت مخبي إيه عني؟"
بس هشام ما ردش.
كان بيبص للولاد واحد واحد… كأنه بيحاول يلاقي نفسه فيهم.
حمزة فجأة شد إيدي وقال:
"مامي… إحنا هنمشي؟"
ساعتها قلبي اتشد.
وبصيت لهشام آخر مرة… نظرة طويلة فيها كل اللي ما اتقالش سنين.
"النهاردة مش يوم انتقام…"
سكت لحظة، وبعدين كملت:
"النهاردة يوم إنك تشوف اللي ضيّعته… وبس."
مسكت إيد ولادي ولفيت عشان أمشي.
لكن قبل ما أتحرك خطوة…
سمعته لأول مرة بصوت مكسور فعلاً:
"نور… ما تمشيش…"
وقفت.
من غير ما أبص له.
وكان السؤال الحقيقي اللي معلق في الهوا:
هل اللي فات ممكن يتصلّح… ولا خلاص اتكسر للآخر؟وقفت مكاني.
مش لأني اتراجعت… لكن لأن صوت “ما تمشيش” كان جاي من مكان جوه هشام ما كنتش أعرفه قبل كده.
مكان ضعيف… مكسور… مش متعود يبان.
لفّيت نص لفة من غير ما أبص له بالكامل.
"عايز إيه تاني يا هشام؟"
سكت.
بس عينه ما كانتش بتسيب الولاد لحظة.
شيرين كانت واقفة جنب المندوبين كأنها ضاعت وسط حاجة أكبر منها، وشها أبيض، وشفايفها بترتعش.
هشام أخد نفس تقيل وقال بصوت واطي:
"

أنا… معرفتش."
ضحكت ضحكة قصيرة مريرة:
"ماعرفتش إيه؟ إن عندك تلات أولاد؟ ولا إنك سبتني وأنا شايلة حياتي لوحدي؟"
سيف شد في إيدي أكتر، وحمزة كان باصص له بفضول بريء، وتاليا مستخبية ورايا كأنها حاسة إن الجو خطر.
هشام قرب خطوة… ووقف فجأة لما سيف رجع لورا.
كأن الطفل حط حدود مش مسموح يتعداها.
اللحظة دي كسرت فيه حاجة.
بصيت له وقلت:
"هما مش محتاجين صدمة أكتر من كده."
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
"ولو عايز تبدأ تفهم… يبقى تبدأ من بره القاعة دي. مش هنا. مش قدام الناس."
شيرين فجأة قالت بانفعال:
"إنتي بتخطفي فرحي؟! بعد كل ده؟!"
لفيت لها ببطء… وقلت بهدوء يخوّف:
"أنا ما خطفتش حاجة… أنا بس رجّعت اللي كان مخطوف مني من زمان."
القاعة كانت ساكتة لدرجة إن النفس بقى مسموع.
هشام رفع إيده كأنه بيحاول يمنع انهيار أكبر:
"طيب… بس خديهم ومشي… وأنا هاجي… هاجي أتكلم معاكي."
وقفت وبصيت له لأول مرة بعين ثابتة:
"تفتكر إن الموضوع بسيط كده؟"
سكت.
قربت منه خطوة واحدة بس… وقلت:
"أنا عشت سنين بخاف ييجوا ياخدوا ولادي مني… وانت كنت السبب في الخوف ده."
سكت لحظة، وبعدين كملت بصوت أهدى بس أعمق:
"لو عايز تشوفهم… يبقى بشروط أنا اللي هحطها."
هشام هز
راسه بسرعة:
"أي شروط."
ضحكت مرة خفيفة من غير فرح:
"أول شرط… إنك تبقى أب… مش صاحب قرار فجأة دخل حياتهم عايز يملكها."
سيف بص له تاني وقال بهدوء طفولي:
"مامي… هو هييجي معانا؟"
اتجمدت.
دي كانت اللحظة اللي غيرت كل حاجة.
بصيت لهشام… وبعدين للولاد… وبعدين قلت:
"مش النهاردة."
لفيت ومشيت.
بس قبل ما أخرج من القاعة…
سمعت صوت كسر تاني.
مش في الكراسي… ولا في المزيكا…
في قلب هشام نفسه… وهو لأول مرة يقف عاجز قدام اللي ضيعه بيده.خرجت من القاعة وإيدي ماسكة إيد ولادي، والخطوات واثقة رغم إن قلبي كان بيتكسر كل ثانية.
الهواء برا كان أبرد من جوّه… أو يمكن أنا اللي كنت أخفّ من كتر اللي حصل.
سيف سألني وهو ماشي جنبي:
"مامي… هو بابا وحش؟"
وقفت لحظة.
بصيت له… وبعدين انحنيت لمستواه، ومسحت على وشه بهدوء:
"بابا مش وحش… بس بابا غلط غلطة كبيرة… وبيحاول يفهمها دلوقتي."
حمزة مسك إيدي وقال بخوف بسيط:
"هنشوفه تاني؟"
سكتت.
المرة دي الإجابة ما كانتش سهلة زي أي مرة.
بصيت قدامي… وبعدين قولت:
"هتشوفوه… لما يبقى مستعد يكون أب بجد."
تاليا حضنت رجلي جامد، وقالت بصوت واطي:
"أنا مش عايزة أزعل مامي تاني."
قلبي اتكسر واتلم في نفس اللحظة.
حضنتهم
كلهم مرة واحدة… حضن طويل كأنّي بحاول أرجع بيه سنين فاتت.
وفي نفس الوقت اللي كنت فيه بحاول أهدّيهم…
ورايا… في باب القاعة…
هشام كان واقف.
مش داخل… ومش قادر يخرج.
واقف بس بيتفرج علينا وإحنا بنمشي… كأنه لأول مرة يفهم إن بعض الخسارات مش بيتصلحوا بكلمة "آسف".
شيرين كانت وراه بتتكلم بعصبية، بس هو ما كانش سامعها.
كان سامع حاجة واحدة بس…
صوت الأطفال اللي راحوا منه.
مرت أيام.
مافيش اتصال.
مافيش مواجهة.
بس في مرة… وإحنا خارجين من الحضانة…
وقف عربية قدامنا.
هشام.
نزل بهدوء، ملامحه تعبانة، مختلفة.
مش راجل الفرح… ده راجل اتكسر.
فتح الشنطة وطلع علبة صغيرة، ووقف بعيد احترامًا.
"مش جاي آخدهم… ولا جاي أضغط عليك."
سكت لحظة… وبعدين كمل:
"أنا جاي أبدأ من الأول… لو سمحتي."
سيف بص لي.
حمزة قرب منه خطوة صغيرة.
وتاليا اختبأت ورا رجلي.
بصيت لهشام طويل… وبعدين قلت:
"الأول مش بيرجع زي ما كان…"
سكتت.
وبعدين كملت:
"بس ممكن يتبني من جديد… لو كنت هتتحمل إنك تبقى موجود من غير ما تكسّر اللي اتبنى من غيرك."
هشام هز راسه لأول مرة من غير دفاع.
"هتحمل."
وقفت لحظة.
وبعدين مسكت إيدي ولادي… وقلت بهدوء:
"هنشوف."
ومشينا.
لكن المرة دي…
مشيت
من غير ما أقفل الباب تمامًا.
لأول مرة… كان في احتمال صغير جدًا… إن اللي اتكسر سنين، ممكن يتلم تاني… بس بشكل مختلف… أهدى… وأصدق.

تم نسخ الرابط