في حفلة التخرج
في حفلة التخرج، ابن مراتي زقّني وقال
إنت مش أبويا الحقيقي بلاش تمثّل إنك كده.
ومراتي كمان هزّت راسها كأنها موافقة.
أنا ساعتها سكت خالص ومشيت على عربيتي من غير ولا كلمة.
وقبل ما هم يرجعوا البيت الفلوس اللي كنت بحوشها له للجامعة بقالها عشر سنين اختفت.
لحد ما ابن مراتي خلص ثانوي، كنت أنا قضيت عشر سنين بحاول أحبه من غير ما أستنى منه حاجة في المقابل.
اسمي محمود عبدالسلام. عندي 46 سنة، شغال مستشار مالي في القاهرة.
طول جوازي كنت فاكر إن الصبر ممكن في يوم يخلّيني أحس إني جزء من العيلة.
مراتي، دينا، كانت مطلقة بقالها سنتين لما اتعرفت عليها.
وكان عندها ابن عنده 7 سنين اسمه كريم ولد ذكي بس قافل على نفسه، من النوع اللي بيبص للكبار كأنه مستنيهم يغلطوا.
أبوه الحقيقي كان بيظهر ويختفي شوية في أعياد الميلاد، شوية في مشاكل المحكمة، وشوية لما الضمير يصحى شوية.
أنا عمري ما حاولت أخد مكانه.
ناس كتير قالتلي دي كانت غلطة إني كنت هادي زيادة، ومحترم زيادة، ومش باخد دوري كأب.
بس أنا كنت فاهم إن المشاعر ما ينفعش تتفرض على طفل فكنت بعمل حاجة واحدة بس بفضل موجود.
تمارين كورة اجتماعات مدرسة تقويم أسنان مستشفى لما كسر إيده في إعدادي
أول تأمين عربية لما أخد الرخصة
كنت بعمل كل ده في هدوء زي رجالة كتير فاكرة إن الحب بيتقاس بالحاجات اللي بندفعها وبالأبواب اللي بنفتحها.
دينا كانت دايمًا
بس الإعجاب مش هو الوفاء
وده أنا فهمته متأخر.
حفلة التخرج كانت عندنا في البيت يوم صيفي حر، وجنينة مليانة كراسي وترابيزات وبالونات بألوان الجامعة، وقرايب بييجوا يفرحوا على حسابك.
أنا قضيت يومين بشوي وأجهّز وأركّب شاشة لعرض صور كريم وهو أصلًا ما شكرنيش.
بس عادي قولت لنفسي الشباب في السن ده بيبقوا أنانيين شوية.
لحد لحظة الكلمة.
كنت واقف ماسك كباية عصير، بابتسم، وأخت دينا بتتكلم عن مستقبل كريم والناس اللي واقفة وراه.
الناس سقفت دينا عيطت وكريم واقف واخد اللقطة كلها.
بعد التصفيق، واحد من القرايب قال وهو بيضحك
يا محمود، أكيد فخور عندك طالب جامعة في البيت.
فتحت بقي عشان أقول كلمتين حلوين
بس قبل ما أتكلم، كريم لف ناحيتي، وزقّني في كتفي جامد وقال بصوت عالي
إنت مش أبويا الحقيقي بلاش تمثّل.
ناس ضحكت بتوتر مستنيين دينا تتدخل.
بس هي ما عملتش حاجة.
بصتلي في عيني وهزّت راسها وقالت
هو عنده حق يمكن فعلاً تبطّل تتعامل كأنك اشتريت اللقب ده.
الكلام ده وجع أكتر من الزقّة.
مش بسبب كريم ده عنده 19 سنة ولسه طايش، ومتعود إن مفيش عواقب.
لكن دينا هي اللي كسرتني.
عشر سنين مصاريف، تعب، تنازلات وفي الآخر، أول اختبار حقيقي، وقفت ضدي.
بصيت لهم الاتنين ثانية واحدة بس
وبعدين حطيت الكوباية وخرجت من باب الجنينة وركبت عربيتي ومشيت من غير ما أقول كلمة.
ولا واحد
الزحمة برا كانت عادية ناس رايحة وجاية كأن الدنيا كلها ماشية طبيعي، إلا أنا.
أول مرة أحس إني غريب عن بيت عشت فيه عشر سنين.
طلعت الموبايل فتحت حساب البنك.
الحساب اللي كنت فاتحه باسم كريم كل جنيه فيه كنت بحوشه من بدري، من أيام ما كان لسه طفل.
قعدت أبص على الرقم شوية
وبعدين خدت قرار بهدوء غريب.
حوّلت الفلوس كلها لحساب تاني باسمي.
مش انتقام
كان مجرد تصحيح.
رجعت البيت متأخر بالليل كان الهدوء غريب.
الكراسي لسه متشالتش، وبقايا الحفلة في كل حتة.
دخلت لقيت دينا قاعدة في الصالة، وشها متغير.
أول ما شافتني قالت بعصبية
إنت كنت فين؟ الناس سألت عليك!
قلتلها بهدوء
كنت بتمشى.
قالت وهي رافعة صوتها
اللي حصل النهارده كان هزار تقيل مش مستاهل تمشي بالشكل ده!
ضحكت ضحكة خفيفة أول مرة أضحك كده قدامها من زمان.
هزار؟
بصيت لها وقلت
تمام يبقى خلّيه يكمل هزار.
سكتت لحظة وبعدين قالت
تقصد إيه؟
رديت وأنا باخد مفاتيحي
حساب مصاريف الجامعة اتقفل.
اتجمدت مكانها.
إيه؟! يعني إيه اتقفل؟!
قلت بكل هدوء
يعني الفلوس اللي كنت بحوشها خلاص مش موجودة.
في اللحظة دي، كريم نزل من أوضته على الصوت.
في إيه؟
بصت له أمه وقالت بسرعة
بيقول إنه سحب فلوس الجامعة!
كريم بصلي بصدمة، وبعدين قال بعصبية
إنت بتهزر صح؟!
بصيت له نفس النظرة اللي
بس المرة دي مفيش حنية.
إنت قلتها بنفسك النهارده أنا مش أبوك.
وقفت ثانية وكملت
والأب بس هو اللي بيدفع.
الصمت وقع تقيل على المكان.
كريم قال بصوت أوطى
بس إنت كنت موافق
قاطعته بهدوء
أنا كنت موافق أساعد ابني مش واحد شايفني غريب.
دينا قربت مني وقالت بحدة
إنت كده بتعاقبه! ده مستقبله!
بصيت لها وقلت
لا أنا بس بطبق كلامكم.
عدت أيام البيت بقى بارد بشكل مش طبيعي.
كريم بقى يتجنبني
ودينا بقت كل كلامها معايا خناق أو لوم.
لحد ما في يوم، لقيت ظرف على الترابيزة.
فتحته
كان فيه طلب طلاق.
وقفت شوية وبعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لأول مرة من سنين حسيت إن القرار مش صعب.
بعد شهور
كنت قاعد في مكتبي، براجع شغلي لما سكرتيرتي قالت
في شاب بره عايز يقابلك بيقول اسمه كريم.
سكت لحظة وبعدين قلت
خليه يدخل.
دخل بس مش نفس الشخص.
وشه هادي وعينيه فيها حاجة جديدة يمكن ندم.
وقف قدامي وقال بتردد
أنا اشتغلت الفترة اللي فاتت وبحاول أجمع فلوس الجامعة.
هزيت راسي بس من غير كلام.
كمل وهو باصص في الأرض
أنا كنت غلطان.
سكت وبعدين قال بصوت مكسور
حتى لو إنت مش أبويا إنت الوحيد اللي كان بيعمل زي الأب.
الكلام وصل بس متأخر.
بصيت له شوية وبعدين قلت بهدوء
اتأخرت يا كريم بس مش متأخر على نفسك.
مديت له كارت فيه اسم منحة كنت أعرفها.
لو ناوي تكمل اعتمد على نفسك المرة دي.
خد الكارت وإيده
وقبل ما يمشي قال
أنا عمري ما كان قصدي أخسرك.
رديت وأنا برجع لشغلي
وأنا عمري ما كان قصدي أربي حد مش عايز يتربّي.