في حفلة التخرج
خرج وساب الباب مفتوح وراه.
بصيت قدامي وخدّت نفس طويل.
مش كل اللي بنخسره بيبقى خسارة
في حاجات بنسيبها عشان نرجع نلاقي نفسنا
فضلت باصص عليه شوية وبعدين قمت وقفّلته بنفسي.
مش عشان أمنعه يرجع لكن عشان أنا اللي قررت أقفل الصفحة دي.
عدّت أسابيع وكريم ما رجعش تاني.
بس مرة كل فترة، كان بيبعتلي رسالة قصيرة
قدمت على المنحة.
اتقبلت في المرحلة الأولى.
اشتغلت شيفت إضافي.
كنت بقرأ ومبردش.
مش قسوة بس كان لازم يتعلم يكمل لوحده.
في يوم، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت.
أستاذ محمود؟ معاك دكتور من إدارة المنح إحنا حابين نشكرك.
استغربت
تشكروني على إيه؟
قال
كريم عبدالسلام اتقبل رسمي وقال إن حضرتك السبب إنه يكمّل وما يستسلمش.
سكت شوية حسيت بحاجة تقيلة اتحركت جوايا.
بس قلت بهدوء
هو اللي عمل كل حاجة.
بعدها بشهر
كنت ماشي بالصدفة قدام جامعة القاهرة، عند البوابة.
الطلبة داخلة وخارجة ضحك وصوت حياة.
لمحته من بعيد.
كريم واقف
ضحكة خفيفة بس حقيقية.
كبر.
مش في السن
في الفهم.
حس بيا لفّ وشافني.
وقف مكانه.
وأنا كمان.
المسافة بينا كانت كام متر بس فيها عشر سنين كاملة.
قرب شوية وقال
إزيك يا أستاذ محمود.
ابتسمت ابتسامة خفيفة
كويس.
سكتنا لحظة.
بعدين قال
أنا بمشي دلوقتي على طريقي زي ما قلتلي.
هزيت راسي
وده أهم طريق.
بصلي شوية كأنه عايز يقول حاجة تانية
بس في الآخر قال
شكرًا.
لفّ ومشي.
المرة دي ما ناديتش عليه.
وأنا واقف، فهمت حاجة أخيرًا
مش كل اللي بنربيهم بيكملوا معانا
بس ده مش معناه إن اللي عملناه راح.
في ناس دورك في حياتهم بيبقى مجرد مرحلة،
بس المرحلة دي هي اللي بتفرق بينهم وبين الضياع.
رجعت عربيتي شغلتها ومشيت.
والمرادي
ما كانش في وجع.
كان في هدوء مرّت سنة
وحياتي بقت مختلفة تمامًا.
البيت بقى هادي زيادة عن اللزوم أوقات، بس على الأقل مفيش خناقات، ولا إحساس إني غريب في مكاني.
بدأت
وبقيت أقبل عملاء جداد، وواحدة من الحالات اللي جاتلي كانت سيدة عندها بنت في ثانوي، خايفة على مستقبلها.
وأنا بشرحلها خطط الادخار، فجأة سألتني
حضرتك عندك أولاد؟
سكت لحظة
وبعدين قلت بابتسامة بسيطة
كان عندي دور في حياة حد وخلص.
بصّت لي باستغراب، بس ما سألتش تاني.
في يوم من الأيام، وأنا قاعد في مكتبي، السكرتيرة دخلت وقالت
في حد برا عايز يقابلك بيقول إنك لازم تشوفه.
استغربت
مين؟
قالت
بيقولك مش هتندم لو قابلته.
ضحكت
خليه يدخل.
الباب اتفتح
ودخل كريم.
بس المرة دي كان مختلف أكتر من أي مرة فاتت.
لابس لبس بسيط، بس شيك وواقف بثقة غريبة عليه.
في إيده ملف.
قرب وحطه قدامي.
دي أول حاجة عملتها بنفسي.
فتحت الملف
كان مشروع تخرجه.
خطة مالية كاملة منظمة، دقيقة حتى الأسلوب كان فيه حاجة مألوفة.
بصيت له
شغل محترم.
ابتسم وقال
اتعلمته منك.
الكلمة دي وقفت الزمن لحظة.
قعد قدامي، وقال بهدوء
أنا مش جاي أطلب
هزيت راسي
عارف.
كمل
أنا جاي أقولك إني فهمت متأخر، بس فهمت.
بصلي مباشرة وقال
الأب مش بالدم الأب باللي بيستحمل، ويفضل واقف حتى لما يتدفع بعيد.
الكلام دخل جوايا ببطء
المرة دي ما كانش وجع كان حاجة تانية.
راحة.
طلع من جيبه ظرف صغير وحطه قدامي.
دي أول فلوس كسبتها من تدريب بسيطة، بس كنت عايز أديك جزء منها.
بصيت للظرف وما فتحتهوش.
قلت له بهدوء
خليها لنفسك.
قال بسرعة
لا أنا لازم أعمل كده.
ابتسمت وقلت
لو عايز ترد الجميل اعمله مع نفسك مش معايا.
سكت شوية وبعدين هز راسه.
وهو ماشي، وقف عند الباب
وقال بصوت واطي
ينفع أعدي عليك من وقت للتاني؟
بصيت له
السؤال كان بسيط بس معناه كبير.
فكرت ثواني
وبعدين قلت
تعالى بس المرة دي، مش كواجب.
ابتسم أول ابتسامة فيها طفل صغير لسه جواه.
تمام.
وخرج.
قعدت مكاني شوية وبعدين فتحت الظرف رغم إني قلت له لا.
لقيت مبلغ صغير ومعاه ورقة.
مكتوب فيها
يمكن مش ابني بس عمري ما هلاقي أب
قفلت الظرف وسندت ضهري على الكرسي.
وبصيت للسقف
وابتسمت.
أوقات، الحياة ما بترجعش اللي ضاع
بس بتدّيك نسخة أهدى منه.
مش كاملة
بس صادقة.