لوسمحت خليني ادفع بكرة بقلم زيزي

لمحة نيوز

لو سمحت… خلّيني أدفع بكرة!" البنت قالتها وهي صوتها بيترعش، لدرجة إنه كان هيضيع وسط صوت الكاشير والمزيكا الرخيصة اللي شغالة في السوبر ماركت.
"لو سمحت… هدفع لك بكرة."
كانت بنت عندها حوالي 8 سنين، رفيعة وهدومها باينة إنها قديمة، سويتر بني متهالك من عند الكوع، وشعرها متلم بسرعة كده من غير ترتيب. كانت حضنة إزازة لبن صغيرة كأنها كنز. عينيها حمرا، بس مش بتعيط… ده الحزن الهادي اللي بيبقى جوا الأطفال اللي اتعلموا بدري إن الطلب إحراج.
الكاشيرة، بنت صغيرة لابسة يونيفورم أحمر، بلعت ريقها وإيديها وقفت فوق الكيبورد.
"وأمك فين؟" سألتها بصوت أهدى شوية.
البنت شاورِت ناحية الباب من غير ما ترفع عينيها.
"برّه مع أخويا الصغير… ماما قالت إنك هتفهمي… هرجع بكرة وأدفع، والله."
الكاشيرة قفلت عينيها لحظة.
"يا حبيبتي… ماينفعش. دي قوانين الشغل."
البنت مسكت إزازة اللبن أكتر.
"أخويا الصغير بيعيط طول الليل من الجوع… ماعندناش أكل النهارده. لو سمحتِ… المرة دي بس."
على بعد خطوتين، ورا ستاند إعلانات، كان واقف راجل ببدلة كحلي شيك، ساكت تمامًا.
كريم الحديدي.
رجل أعمال… مليونير… صاحب شركات مقاولات وفنادق ونص البلد تقريبًا زي ما المجلات بتقول. من الناس اللي أول ما يدخلوا مكان، الدنيا كلها بتظبط نفسها علشانهم. بدلة متفصلة، ساعة غالية بس بسيطة، دقنه مظبوطة، ونظرة باردة.
بس أول ما سمع البنت بتطلب لبن بالدَّين… حاجة

قديمة جدًا خبطت جواه.
لأنه كان عارف الإحساس ده.
عارف الجوع.
مش الراجل اللي لابس ماركات دلوقتي… لا، الطفل اللي كان زمان عايش في أوضة فوق السطوح، لما أمه كانت تقول "بكرة نشوف" علشان ماكانش معاها حتى فلوس تجيب عيش.
كريم اتحرك من غير ما يحس، لحد ما وقف قدام الكاشير.
الكاشيرة بصّت له.
"حضرتك هتدفع حاجة؟"
ما ردّش على طول. بص للبنت الأول… مش بشفقة، لكن كأنه شايف نفسه فيها.
"اسمك إيه؟" سألها.
رفعت عينيها بالعافية.
"لُمى."
"اللبن ده لأخوكي الصغير؟"
هزّت راسها.
"اسمه يوسف… عنده سنة. ساعات وشه بيزرق لما بيعيط كتير."
الكاشيرة اتوترت. كريم مدّ إيده يطلع محفظته… وبعدين وقف. كان في حاجة تانية في وش البنت… مش بس جوع… خوف.
"يا لُمى…" قال بصوت أوطى، "لو دفعتلك… تقوليلي الحقيقة؟"
البنت اتجمدت.
"أنا… ماقدرش."
كريم بصّ على دراعها الرفيع… لمح علامة حمرا كأن حد مسكها بعنف. دمه غلي.
"اسم مامتك إيه؟"
"مروة… مروة السيد."
الاسم وقع عليه زي صدمة.
مروة…الاسم لفّ في دماغ كريم زي إعصار… نفس الاسم اللي حاول ينساه سنين، ونفس الصوت اللي كان بيقوله زمان وهو لسه شاب غلبان:
"استنى شوية يا كريم… كله هيبقى تمام."
بص للبنت تاني… قلبه بدأ يدق أسرع.
"مامتك شكلها إيه؟" سأل بهدوء، بس صوته كان فيه توتر.
لُمى بلعت ريقها:
"شعرها أسود طويل… وبتعيط كتير اليومين دول."
كريم حس إن الأرض بتهتز تحته.
مدّ إيده بسرعة وحط فلوس على
الكاشير.
"حاسبي على اللبن… وعلى أي حاجة هي عايزاها."
الكاشيرة بصّت له بدهشة، بس بدأت تضرب على الكيبورد.
كريم ركع شوية عشان يبقى في مستوى لُمى، وقال بلطف:
"تعالي… وريني مامتك برّه."
لُمى ترددت لحظة… وبعدين هزّت راسها ومشيت قدامه.
أول ما خرجوا من باب السوبر ماركت، كريم شافها.
ست قاعدة على الرصيف… هدومها باهتة، حضنة طفل صغير بيعيط بصوت ضعيف، ووشها مرهق كأن الدنيا كلها عدّت عليه.
بس رغم كل ده… عرفها في ثانية.
مروة.
نفس العيون… نفس الملامح… بس مكسورة.
قرب منها خطوة… واتجمد.
هي كمان رفعت عينيها… وبصّت له.
في الأول ما استوعبتش… وبعدين عينيها وسعت بصدمة.
"كريم؟"
صوته خرج واطي، مخنوق:
"إنتي… إزاي؟"
مروة حضنت الطفل أكتر، وكأنها بتحاول تحميه:
"إنت بتعمل إيه هنا؟"
كريم بص حواليه… للرصيف… للناس… للحالة اللي هي فيها…
وبعدين رجع بص لها.
"السؤال ده أنا اللي أسأله… إيه اللي وصّلك لكده؟"
مروة سكتت… وعينيها دمعت.
لُمى شدّت في هدومها:
"ماما… هو دفع الفلوس."
مروة بصّت للبنت، وبعدين لكريم… والإحراج باين عليها.
"إحنا… كنا هنرجع الفلوس بكرة."
كريم هز راسه:
"مش موضوع فلوس."
بص للطفل اللي في حضنها:
"ده ابنك؟"
مروة سكتت لحظة… وبعدين قالت:
"أيوه… يوسف."
كريم حس بضيق غريب في صدره:
"وأبوه فين؟"
السؤال ده كسرها.
دموعها نزلت وهي بتقول:
"سابنا… بعد ما اتولد بشهرين. وقال مش مسؤوليته."
سكتت شوية… وبعدين بصّت
له:
"زي ما إنت سبتني زمان."
الجملة خبطت كريم في قلبه.
"أنا؟!" قالها بصدمة
"إنتي اللي اختفيتي يا مروة! يوم ما رجعتلك… ملقتكيش!"
مروة هزّت راسها بتعب:
"أهلي… غصبوني أمشي. قالوا إنك مش هتقدر تفتح بيت… وإنك ضيعت مستقبلي."
سكتت… وبعدين بصّت للأرض:
"وكنت حامل."
كريم اتجمد مكانه.
"حامل؟"
بص على لُمى… وبعدين رجع لمروة.
صوته بقى واطي جدًا:
"تقولي إن…"
مروة رفعت عينيها، والدموع فيها بتلمع:
"أيوه… لُمى بنتك."
الدنيا سكتت حواليه.
كل الأصوات اختفت.
كريم بص للبنت… لنفس العيون… نفس النظرة اللي كان بيشوفها في المراية زمان.
ركع قدامها ببطء… ودموعه نزلت لأول مرة من سنين.
"يعني… إنتي بنتي؟"
لُمى بصّت له بخوف، بس قالت بهدوء:
"إنت هتزعل لو قلت لك آه؟"
كريم هز راسه بسرعة وهو بيضحك وسط دموعه:
"ده أنا أزعل لو قلتي لأ."
مدّ إيده ببطء… ولمس شعرها بحنية.
وبعدين وقف… وبص لمروة بنظرة حاسمة:
"خلاص… انتهى الكلام ده كله."
مروة بصّت له باستغراب:
"يعني إيه؟"
كريم قال بثقة:
"يعني مش هتفضلي هنا ولا يوم كمان."
وأكمل:
"إنتي وبناتي… هتيجوا معايا."
مروة اتراجعت خطوة:
"لا يا كريم… الموضوع مش سهل كده."
كريم قرب منها أكتر، وصوته بقى هادي بس قوي:
"أنا ضيّعت سنين من عمري من غيركم… ومش ناوي أضيّع لحظة تانية."
بص للطفل يوسف:
"وده ابني برضه… طالما إنتي أمه."
مروة دموعها زادت… بس المرة دي كان فيها أمل.
لُمى مسكت إيده الصغيرة
وقالت بخفوت:
"يعني… مش هنجوع تاني؟"
كريم شدّ على إيدها بحنان:
"ولا يوم في حياتك… أوعدك."
وفي اللحظة دي…
ماكانش بس اشترى إزازة لبن…

تم نسخ الرابط