شفت ابويا بقلم زيزي
شفت أبويا وهو بيرمي هدومي وكتبي وآخر صورة ليا مع أمي في النار كأن حياتي ولا ليها أي قيمة. وبعدين بصلي وقال
ده اللي بيحصل لما تعصيني.
ما رديتش عليه ولا بكلمة.
بعد ست سنين، كلمته في التليفون وقلتله بهدوء
بص في صندوق البريد عندك.
كان جواه صورة ليا وأنا واقف قدام بيته.
البيت اللي أنا اشتريته لتوّي.
ودي كانت مجرد البداية.
أنا كان عندي 19 سنة لما أبويا، حسن عبدالسلام، قرر يحرق كل حاجة بملكها في جنينة البيت.
مش شوية هدوم وخلاص لا.
سحب كل حاجة هدومي، دفاتري، جزم الشغل، الكوباية القديمة بتاعت أمي اللي كنت مخبيها، صورة تخرجي، حتى اللابتوب اللي اشتريته بفلوس شغلي في الصيف كل ده اتحط في برميل حديد وولّع فيه.
كأنه بيطهر اسم العيلة!
ده اللي بيحصل لما تعصيني.
كنت واقف بتفرج على الدخان وهو طالع وساكت.
الموضوع بدأ لما قلتله إني همشي.
كنت اتقبلت في برنامج تجارة في القاهرة، وكمان لاقيت شغل نص يوم في شركة مقاولات صغيرة هناك.
بس أبويا كان شايف إني لازم أفضل تحت إيده هنا أشتغل معاه ببلاش، وأعمل اللي هو عايزه لحد ما أموت.
في نظره، أنا مش ابنه اللي ليه مستقبل أنا مجرد اسم شغال باسمه.
اتجنن لما عرف إني أخدت القرار لوحدي.
شتم قل أدب وقال عليا أناني وضعيف وناكر للجميل.
ولما ده ما جابش نتيجة قرر
فاكر كل تفصيلة
حر الصيف، صوت الورق وهو بيتحرق، ريحة البلاستيك، صوت حزامي وهو بيخبط جوه البرميل وهو واقف متكتف كأنه بيعلمني درس!
بس هو ماكنش يعرف إني قبلها بساعات كنت نقلت أهم حاجة
ورقي، فلوسي، جواب القبول كل ده كان في عربية صاحبي كريم.
لما النار ولعت، طلعت موبايلي واتصلت بيه ييجي ياخدني.
أبويا ضحك لما سمعني.
قرب مني وقال
لو خرجت من البيت ده ما ترجعش تاني.
المرة دي بصيت في عينيه.
ومشيت.
عدّت ست سنين.
اشتغلت، تعبت، بنيت نفسي من الصفر لحد ما في يوم، شفت إعلان مزاد على بيت قديم
العنوان؟
كان بيته هو.
اشتريته.
وبعدها كلمته وقلتله
بص في صندوق البريد.
وصلته الصورة وأنا واقف قدام البيت.
والرسالة اللي وراها كانت
دلوقتي أنا اللي بقولك لو مش عاجبك، امشي.
بس الحقيقة؟
ده كان مجرد أول رد ولسه اللي جاي أقسى بكتير أسبوع واحد بس وكان كل حاجة اتغيرت.
أبويا ما اتصلش.
ما سألش.
ولا حتى حاول يفهم.
لكن اللي حصل كان أوضح من أي كلام
في يوم، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت بهدوء
ألو؟
صوت مبحوح، متكسر بس أنا عرفته فورًا.
إنت عملت إيه يا يوسف؟
سكت لحظة وبعدين قلت بنفس الهدوء
اشتريت بيت.
اتنفس تقيل، وقال بنبرة كلها غِل
ده بيتي!
ابتسمت رغم إنه مش شايفني.
كان بيتك.
سكتنا شوية الصمت كان تقيل لدرجة
إنت فاكر نفسك كده كسبت؟
أنا ما بلعبش معاك أصلاً.
وقبل ما يقفل، قال جملة واحدة
أنا جاي.
كنت مستنيه.
مش عشان أتشمت
ولا عشان أذله
بس عشان يشوف.
يشوف بعينه إن الولد اللي حرقله حياته ما اتحرقش.
اتكوّن من جديد.
اليوم اللي جه فيه كان واقف قدام البيت، نفس الوقفة القديمة بس المرة دي هو اللي برا.
الباب اتفتح وأنا واقف جواه.
بصلي نفس النظرة، بس فيها حاجة جديدة
حاجة شبه الخسارة.
هدومه كانت بسيطة ملامحه تعبانة كأنه كبر عشر سنين مرة واحدة.
قال بصوت واطي
عايز أدخل.
وقتها الزمن وقف لحظة.
نفس الباب
نفس البيت
بس الأدوار اتبدلت.
افتكرت صوت النار
ريحة الحريق
كلامه وهو بيقولي لو خرجت ما ترجعش.
قربت خطوة وبصيت في عينه مباشرة.
وقلت
ليه؟
اتلخبط ما لاقاش رد بسرعة.
وبعدين قال
ده بيتي
هزيت راسي بهدوء
لا ده بيتي أنا.
سكت وبص حواليه كأنه بيستوعب لأول مرة.
أنا أبوك يا يوسف
المرة دي ضحكت ضحكة خفيفة، بس مليانة وجع قديم.
وأنا كنت ابنك فاكر عملت فيا إيه؟
ما ردش.
عينه نزلت للأرض.
أول مرة أشوفه كده.
أول مرة يحس.
كنت أقدر أقفل الباب في وشه.
وأقول له نفس الجملة
لو مش عاجبك، امشي.
بس ما عملتش كده.
فتحت الباب على الآخر واتحركت على جنب.
وقلت
ادخل.
بصلي باستغراب كأنه مش مصدق.
مش عشانك عشان
دخل ببطء وكل خطوة كان فيها كِبره بيتكسر.
بص على المكان نفس الجنينة نفس الركن اللي ولّع فيه النار
وقف هناك تحديدًا.
وسألني بصوت مكسور
إنت سامحتني؟
سكت شوية وبعدين قلت
لا.
رفع عينه ليّا بصدمة.
كملت بهدوء
بس أنا ما بقيتش محتاج أسامحك عشان أعيش.
قعد شوية وبعدين مشي.
من غير صوت.
من غير تهديد.
من غير سيطرة.
بس قبل ما يخرج وقف عند الباب وقال
أنا خسرتك.
بصيتله وقلت
إنت اللي حرقتني بس أنا اللي بنيت نفسي.
وخرج.
ومن يومها
ما رجعش تاني.
بس الحقيقة؟
مش كل النهايات بتكون انتقام
بعضها بيكون نضج عدّى شهر
كنت فاكر إن كل حاجة خلصت.
إن المواجهة دي كانت النهاية.
بس الحقيقة؟
كانت بداية حرب من نوع تاني حرب هادية بس مؤذية.
في يوم، وأنا في الشغل، جالي اتصال من واحد من البلد.
يوسف خليك فاكر إنك لوحدك هنا.
نبرته ما كانتش عادية.
في إيه؟
سكت لحظة وبعدين قال
أبوك مش ساكت.
قلبي دق مرة واحدة بس صوتي فضل ثابت
بيعمل إيه؟
الرد خلاني أبتسم بس ابتسامة باردة
بيقول للناس إنك نصاب وإنك اشتريت البيت بفلوس حرام وإنك طردته.
ضحكت ببطء.
مش عشان الموضوع مضحك
بس عشان كان متوقع.
هو عمره ما كان هيقبل الهزيمة بسهولة.
بعدها بأيام لقيت أول ضربة حقيقية.
الشركة اللي كنت شغال فيها بلغوني إن في حد قدّم بلاغ
اتهام بتزوير أوراق في صفقة قديمة.
اتهام كبير وخطير.
وقتها بس فهمت.
أبويا مش بيحاربني بالكلام بس
ده ناوي يكسرني تاني بأي طريقة.
لكن المرة دي أنا مش يوسف