بعد كام ساعه
بعد كام ساعة بس من جنازة جوزي ياسين، وبدل ما يواسوني في وحدتي وأنا شايلة ابنه في بطني وفي شهري الثامن، لقيت أمي بتبصلي ببرود وبتقولي جوز أختك غني وواجهة، وهو أولى بأوضتك الكبيرة.. إنتي لسه صغيرة وصحتك تجيب، خدي مرتبة وانامي في الجراج اللي تحت، أهو تونسيه بدل ما هو فاضي.
أبويا نفخ بزهق وقلب عينيه وهو بيقول وبطلي عياط بقى ونكد، العياط ده بيقطع الرزق وبيسد النفس، إحنا مش ناقصين هم!
بصيت لملامحهم اللي مابقتش أعرفها، وابتسمت ابتسامة واحدة بس.. ابتسامة هدوء ما قبل العاصفة، وقلت كلمة واحدة تمام.. اللي تشوفوه.
افتكروا إني أرملة مكسورة الجناح وهعرف أنام وسط الزيت والتراب.. مايعرفوش إنهم بيحفروا قبرهم بإيديهم.
الجزء الأول ساعة الصفر
الساعة كانت 502 الفجر، تليفوني رن.
كانت أختي الكبيرة هنا.
صوتها كان عامل زي السكين، مفيش سلامتك ولا إزيك، قالتلي جملة واحدة أبوكي وأمي قرروا.. هما محتاجين الدور اللي إنتي فيه عشان جوليان جوزي هيفتح المكتب بتاعه هناك. لمي هدومك وانزلي الجراج فوراً.
كنت واقفة في المطبخ، في إيدي كوباية القهوة، وبطني قدامي في الشهر الثامن، ولابسة التيشرت بتاع ياسين اللي ريحته لسه فيه. الكلمات نزلت عليا زي التلج.
سألتها بذهول الجراج يا هنا؟ في عز البرد ده وأنا في الثامن؟
أمي كانت واقفة
الكلمة دي كانت النكتة اللي بكتني.. لأن ياسين هو اللي شاري البيت ده من ماله الخاص كأمان ليا ولابنه، وسجله باسمي قبل ما يموت بأسابيع.. هما كانوا بيقسموا ورث مش بتاعهم، وبيطردوا صاحبة البيت في عز ليلها.
دخلت هنا وراها جوزها جوليان، لابس بدلة غالية وراسم على وشه ابتسامة صفرا، ابتسامة حد فاكر إنه ملك الدنيا وما فيها.
قالت هنا وهي بتعدل ضوافرها الموضوع مؤقت يا حبيبتي، جوليان برستيجو مايسمحلوش يشتغل في مكان ضيق، وبصراحة نكدك وعياطك على ياسين بقى حمل تقيل علينا.
أمي بصتلي وقالت بلهجة أمر انزلي يلا، وحاولي تسيبي الجراج نضيف، جوليان هيركن العربية ال BMW بتاعته في النص، مش عايزين كركبة.
جوليان ضحك بسخرية وهو بيبصلي من فوق لتحت.
بصيت للأربعة.. لأمي وأبويا وأختي وجوزها. مفيش حد فيهم اتهز، مفيش حد فيهم شفق على حالي ولا على الحفيد اللي في بطني.
ابتسمت تاني.. المرة دي كانت ابتسامة نصر.
وقلتلهم حاضر.. من عيوني.
افتكروا إن ده انكسار.. مايعرفوش إن ياسين ماكانش مجرد مهندس.. ياسين كان رتبة في القوات الخاصة، والبيت ده تحت حماية الدولة.
لو عايزين
أنا ما نمتش في الجراج زي ما هم فاكرين.
نزلت فعلًا بس مش عشان أنام، لأ عشان أبدأ.
قفلت باب الجراج ورايا بهدوء، وقعدت على مرتبة قديمة، حطيت إيدي على بطني، وقلت بصوت واطي حقك وحق أبوك هرجعه أقسم بالله.
طلعت موبايلي وفتحت آخر رسالة من ياسين.
كانت متسجلة صوت عمري ما كنت قادرة أسمعها بعد موته.
بس المرة دي ضغطت تشغيل.
صوته طلع هادي، ثابت، كأنه عارف كل حاجة لو حصل لي حاجة افتحي الملف اللي في الدرج التاني، وكلمي الرقم اللي متسجل باسم سيف. ماتثقيش في حد حتى أقرب الناس.
دموعي نزلت بس مسحتها بسرعة.
طلعت المفتاح اللي كان مديّهولي وطلعت فوق بهدوء من غير ما حد يحس، دخلت أوضتيأوضتي أناوفتحت الدرج.
لقيت ملف تقيل مليان ورق عقود وصور وحاجة أهم
كارنيه.
كارنيه رسمي عليه اسم ياسين ورتبته الحقيقية.
ساعتها بس قلبي دق بطريقة مختلفة.
أنا ماكنتش أرملة مهندس عادي.
أنا كنت زوجة راجل الناس دي كلها ماتعرفش تقف قدامه وهو عايش.
مسكت موبايلي وطلبت الرقم.
رد عليا صوت رجولي حاد تمام يا فندم.
اتكلمت بصوت ثابت رغم رعشة قلبي أنا مرات ياسين.
ثانيتين سكون
وبعدين صوته اتغير أوامرك يا مدام.
قلت جملة واحدة الوقت جه.
الساعة كانت 710 الصبح.
الشمس بدأت تدخل من شبابيك البيت وأنا لسه تحت في الجراج.
فجأة
صوت عربيات.
كتير.
قوي.
مش عربية ولا اتنين لأ موكب.
سمعت فرامل بتصفر وأصوات رجالة بتنزل.
باب البيت اتخبط بعنف.
أبويا فتح وهو متضايق في إيه يا جماعة؟!
صوت صارم رد تفتيش رسمي.
الدنيا اتقلبت فوق.
صوت أمي وهي بتصرخ إيه ده؟! إنتوا مين؟!
طلعت أنا بهدوء واحدة واحدة لحد ما وصلت عند باب الصالة.
لقيت البيت مليان رجالة بملابس رسمية.
وواقف في النص راجل طويل، عينه ثابتة أول ما شافني، وقف مستقيم وقال مدام ياسين؟
هزيت راسي.
لف وبص للباقي وقال جملة خلت الدم يتجمد في عروقهم البيت ده تحت الحماية وأي تعدي على صاحبة الملك يُعتبر جريمة.
أختي اتجمدت.
جوليان لونه اصفر.
أمي بصتلي وكأنها أول مرة تشوفني.
أبويا حاول يتكلم يا باشا دي بنتي و
الراجل قاطعه ببرود والملكية باسمها والعقود موثقة وعندنا بلاغ رسمي من ساعة.
ساعتها بس كل العيون اتوجهت ليا.
أنا.
ابتسمت نفس الابتسامة.
بس المرة دي مفيهاش حزن خالص.
قلت بهدوء أنا قلتلكم اللي تشوفوه.
وقربت من أمي وبصيت في عينيها مباشرة دلوقتي أنا اللي هشوف الهدوء اللي كان في البيت كان مرعب أكتر من أي صوت.
ولا كلمة.
ولا نفس.
بس عيونهم كلها عليّا.
الضابط بصلي كأنه مستني إشارتي وأنا سكت شوية، كأني بديهم آخر فرصة يفهموا.
أبويا
قاطعته وأنا