كان عندي عشر سنين
كان عندي 10 سنين بس يوم ما مرات أبويا فتحت الباب قبل الفجر ورمتني أنا وأختي الصغيرة في عز البرد.
زقتني برا البيت بعنف، وأنا شايل أختي فريدة اللي كان عندها سنتين، وبعدها رمت الشنطة الصغيرة في حضني وقالت بصوت كله قسوة
خدها معاك مفيش حد هياكل ببلاش في البيت ده تاني.
قبل ما ألحق أتكلم، نعيمة قفلت الباب بالمفتاح.
فريدة كحّت وهي مستخبية في صدري.
ومن ورا الباب سمعتها بتقول
ولو رجعت والله ما هفتح.
كان شهر أكتوبر سنة 1894 ولسه النهار ما طلعش.
السما فوق الشجر كانت سودا، والبرد بيقرص وشي كأنه سكينة. ريحة الدخان القديم طالعة من هدومي، وخشب السقيفة كان مبلول تحت رجلي.
من ناحية الزريبة سمعت حمار أبويا بينهج
بس محدش خرج.
ولا حتى بص من الشباك.
ولا صوت قال استنى.
كان فيه بس صوت القفل وصوت نفس أختي الضعيف وهي مرعوبة.
شديتها أكتر لجسمي عشان رجليها ما تلمسش البطانية المبلولة. شعرها كان لازق في جبينها، ووشها شاحب بشكل خوّفني.
كانت لابسة فردة جزمة واحدة
والتانية متعلقة من الرباط.
في جيبي كان آخر حاجة فاضلة من أمي ميدالية نحاس صغيرة ودعوة قصيرة خلتني أحفظها قبل ما تموت.
من شهور، ونعيمة كانت بتعاملنا كأننا حمل تقيل.
الأكل الحلو لابنها.
اللبن بيتقفل عليه بالمفتاح.
وفريدة تاخد بواقي باردة في طبق مكسور.
أما أنا
لو كنت محظوظ، كانت تديني حتة
قبلها بيومين سمعتها وهي بتعد فلوس فوق الترابيزة وتقول
مش هصرف مليم زيادة على عيال واحدة ميتة.
صوت العملات وهي بتخبط في بعض فضل بيرن في وداني.
ولما الشمس بدأت تطلع بخيط نور خفيف فوق الجبل رجعت للباب مرة أخيرة.
ما خبطتش.
بس حطيت إيدي على الخشب واستنيت.
يا نعيمة
في الأول مردتش.
بعدها قربت من الباب وقالت بصوت واطي مرعب
امشي من هنا قبل ما أفضحك أكتر.
ما ترجّتهاش.
لفيت البطانية على فريدة كويس، وشلت الشنطة على ضهري، ومشيت في الطريق الطيني اللي عمال المناشر بيستخدموه وسط الغابة.
الطين كان بيشفط جزمتي.
وريحة الصنوبر مليانة رطوبة.
ومع كل خطوة الميه الساقعة تدخل من خرم الجزمة لرجلي.
ساعات كنت أسمع عصافير
وساعات مكنش فيه أي صوت.
وده كان أسوأ.
لأن كل اللي كنت سامعه نفس أختي وهو بيضعف شوية بشوية.
فضلت أكلمها طول الطريق عشان ما تنامش.
أحكيلها عن الزهور الناشفة جنب الطريق.
وأغنيلها نفس الدندنة اللي أمي كانت بتقولها وهي بتخيط هدومنا.
أوقات كانت ترفع وشها الصغير تبصلي بعينين نعسانة
وأوقات كانت بس تمسك رقبتي وتطلع صوت ضعيف زي قطة مبلولة.
قبل الضهر، قعدت جنب جدول صغير أصلّح فردة الجزمة التانية.
فركت رجليها بإيديا لحد ما كفيّ وجعوني من البرد.
ريحة البطانية كانت تراب ولبن بايت ودخان قديم.
فتحت الشنطة.
لقيت حتة عيش ناشفة. حبل. الميدالية.
بس.
لا أكل. لا كبريت. ولا حتى ورقة.
نعيمة ما طردتناش وبس
دي كانت محددة بالظبط هنعيش قد إيه قبل ما نموت.
فكملت مشي.
ومع غروب الشمس الغابة بدأ صوتها يتغير.
الهوا بقى أرفع وأبرد، يدخل من تحت ياقة القميص كأنه سكينة.
وفريدة بطلت عياط.
وده كان أكتر حاجة خوفتني.
جسمها الصغير كان بيرتعش في حضني، ورأسها ساعات يقع لورا بتقل غريب كأن النوم بياخدها لمكان بعيد أوي.
حوالي الساعة ستة وربع بالليل وصلت لفسحة صغيرة وسط الشجر.
رجليا ما عادوش شايليني.
وقعت على ركبتي.
الأرض كانت ناشفة ومتغطية بإبر الصنوبر.
قلعت الجاكت الخفيف ولفيته على فريدة، وبعدها حضنتها بقوة لدرجة إن ميدالية أمي طبعت مكانها في جلدي.
ما صرختش.
محدش كان هيسمع.
حطيت جبيني على شعر أختي وقلت الدعاء كله اللي أمي علمتهولي للحظات المستحيلة.
ولما فتحت عيني
الدموع كانت لسه على رموشي.
وساعتها شفت حاجة
مكانش موجود من ثانية واحدة بس.
وسط الشجر كان فيه كوخ.
خشب غامق. واقف ثابت. كأنه مستنينا.
والنور طالع من الشباك.
الكوخ ما كانش مهجور.
ولو كنت مكاني وشايل طفلة عمرها سنتين بتموت من البرد
كنت هتدخل؟
لأن جوه الكوخ ده كان فيه أكل.
وكان فيه سر عمر نعيمة ما تخيلت إنه ممكن يرجع يدمرها شلت فريدة بين دراعاتي وقربت ناحية الكوخ خطوة خطوة.
قلبي كان بيدق
أنا متأكد قبل ما أغمض عيني وأدعي، المكان ده كان فاضي. مافيش غير شجر وضلمة.
لكن دلوقتي؟ كوخ كامل واقف وسط الغابة والنور الأصفر بيطلع من الشباك كأنه مستنيني.
الأغرب إن مافيش أي أثر حوالينه.
لا طين متبهدل. لا آثار رجلين. ولا حتى دخان طالع من المدخنة.
بس النور شغال.
وقفت قدام الباب الخشب. إيدي كانت بترتعش من البرد والتعب.
وفريدة همست بصوت ضعيف جدًا
جعانة
الكلمة كسرتني.
رفعت إيدي أخبط لكن قبل ما ألمس الباب
صرررررر
الباب اتفتح لوحده.
رجعت خطوة للخلف بسرعة، وقلبي وقف.
ومن جوه طلع صوت راجل عجوز
دخل البنت بسرعة البرد هيموتها.
صوته كان هادي لكن فيه حاجة خلت جسمي يتجمد.
كأنه كان عارف إننا جايين.
دخلت ببطء.
ريحة الكوخ كانت غريبة ريحة قرفة وخشب قديم ونار دافية.
النار شغالة في المدفأة. وفيه حلة شوربة بتغلي فوقها.
وعلى الكرسي جنب النار كان قاعد راجل شعره أبيض طويل، وعينيه غامقة بشكل مخيف.
بص لفريدة الأول وبعدها بصلي.
اتأخرت يا يوسف.
الاسم وقع على ودني زي الصاعقة.
أنا ما قلتلوش اسمي.
تراجعت فورًا.
إنت تعرفني؟
العجوز ما ردش. قام ببطء، وراح ناحية الدولاب، وطلع بطانية سميكة وحطها حوالين فريدة.
البنت الصغيرة بدأت تبكي من الدفا فجأة كأن جسمها افتكر إنه لسه عايش.
العجوز بص للنار وقال بهدوء
مرات أبوك كانت
حسيت الدم اتسحب من وشي.
إنت مين؟!
لأول مرة رفع عينه ناحيتي مباشرة.
أنا الوحيد اللي