كان عندي عشر سنين

لمحة نيوز

أبوك كان بيخاف منه.
وفي اللحظة دي
سمعت صوت حاجة بتخبط في الحيطان برا الكوخ.
خبطة قوية.
وبعدها صوت تاني
كأنه حد بيمشي حوالين البيت فوق أوراق الشجر المبلولة.
العجوز وقف فجأة.
والهدوء اللي كان على وشه اختفى.
بص للشباك بسرعة وهمس
لا هم لقوكوا أسرع مما توقعت.
مسكت فريدة بقوة.
مين؟!
العجوز قرب من الباب وقفله بالمزلاج الحديد.
ثم لف ناحيتي وقال بصوت منخفض مرعب
اسمعني كويس يا يوسف لو سمعت أي صوت ينادي اسمك الليلة
ما تردش أبدًا.
حتى لو كان صوت أبوك نفسه قلبي بدأ يخبط بعنف.
بصيت للعجوز وبعدها للشباك.
الريح برا كانت بتزعق وسط الشجر، لكن بين صوت الهوا سمعت فعلًا خطوات.
بطيئة.
تقيلة.
تلف حوالين الكوخ.
فريدة بدأت تعيط بخوف وتستخبى في حضني، والعجوز قرب بسرعة وحط إيده على راسها.
وطي صوتها لو سمعوها هيعرفوا إنكم هنا.
همست وأنا متوتر
مين دول؟!
العجوز ما ردش فورًا. راح ناحية المدفأة، وطلع منها سكينة طويلة قديمة كانت مستخبية تحت الحطب.
ولما انعكس نور النار على نصلها شفت إنها عليها بقع سودة قديمة.
مش صدأ.
دم.
بلعت ريقي بصعوبة.
وفجأة
دق دق دق
ثلاث خبطات على الباب.
كل جسمي اتجمد.
وصوت راجل جه من برا
يوسف افتح يا ابني.
نفسي انقطع.
ده صوت أبويا.
بالظبط.
نفس البحة نفس الطريقة اللي كان بينطق بيها اسمي.
اتحركت غصب عني ناحية الباب، لكن العجوز مسكني
بعنف.
إوعى!
ده أبويا!
أبوك بعيد عن هنا أكتر مما تتخيل.
الخبط جه تاني. أقوى المرة دي.
يوسف معايا بطانية للبنت افتح بسرعة.
إيديا بدأت ترتعش.
جزء جوايا كان عايز يفتح الباب ويجري لحضن أبويا لكن الجزء التاني افتكر إنه ما خرجش يدور علينا أصلًا.
العجوز قرب مني وهمس
الحاجة اللي برا دي بتاخد شكل أكتر صوت نفسك مشتاقله.
الكوخ كله صمت.
حتى النار كأنها هديت.
وبعدين
فريدة رفعت راسها الصغيرة فجأة وبصت للشباك الخلفي.
وعينيها وسعت برعب.
همست بصوت متقطع
ماما
الدم جمد في عروقي.
ببطء لفّيت راسي ناحية الشباك.
وهناك
وسط الضلمة كانت واقفة ست.
لابسة نفس فستان أمي الأبيض اللي ماتت بيه.
شعرها الطويل بيتحرك مع الهوا ووشها شاحب بشكل مرعب.
لكن عينيها
ماكانوش عيون بني آدم.
كانوا سودا بالكامل.
وفجأة ابتسمت شهقت ورجعت لورا بسرعة، لدرجة إني خبطت في الترابيزة الخشب.
فريدة دفنت وشها في صدري وهي بتصرخ
ماما ماما عايزة تدخل
العجوز خطف الستارة وقفّل الشباك بخشبة سميكة، وبعدها رسم بإيده علامة غريبة على الزجاج وهو يتمتم بكلمات ما فهمتهاش.
وفي اللحظة دي
الابتسامة اللي كانت على وش الست برا اختفت.
واتحولت لحاجة أبشع.
فمها بدأ يتفتح ببطء أوسع وأوسع من الطبيعي.
لحد ما بقى أسود بالكامل.
ثم طبطبت بإيدها على الشباك
تك تك تك
بنفس الطريقة اللي أمي كانت بتخبط بيها زمان
عشان تصحيني للمدرسة.
ركبي ضعفت.
العجوز مسكني من كتفي بعنف
بصلي يا يوسف! دي مش أمك!
لكن عقلي كان بيتقطع.
الصوت. الملامح. حتى الفستان
كل حاجة كانت هي.
وفجأة سمعنا صوت جري حوالين الكوخ.
مش شخص واحد
حاجات كتير.
خطوات سريعة تلف وسط الشجر، ومعاها همسات متداخلة كأن الغابة نفسها بتتكلم.
النار في المدفأة بدأت تضعف لوحدها.
والبرد رجع يزحف جوه الكوخ.
العجوز فتح درج قديم وطلع منه بندقية صدئة. ثم بصلي بسرعة وقال
اسمعني كويس الليلة دي يا إما تعدي، يا إما الغابة هتاخدنا كلنا.
بلعت ريقي بصعوبة.
إيه اللي برا؟!
لثواني العجوز سكت كأنه بيقرر يحكي ولا لأ.
ثم قال بصوت واطي
من سنين طويلة كان فيه ناس بتضيع في الغابة دي. كل اللي يدور عليهم ما يلاقيش غير هدومهم أو عضمهم.
قرب أكتر وهمس
لأن الغابة دي جعانة يا يوسف ولما بتحس بحد مكسور أو وحيد تبعتله حاجة يحبها عشان ينادي عليها بنفسه.
بصيت ناحية الشباك المقفول.
وأنا فاكر ابتسامة أمي المرعبة.
العجوز كمل
أول ما ترد عليها أو تفتح الباب بنفسك خلاص.
فريدة بدأت تسخن في حضني بشكل غريب. وشها بقى أحمر ونفسها أسرع.
العجوز لمس جبينها، وملامحه اتغيرت فورًا.
لا
إيه؟!
بصلي بقلق حقيقي لأول مرة
البنت حرارتها عالية جدًا ولو ما نزلتش قبل الفجر، مش هتكمل الليلة.
حسيت الأرض بتميد بيا.
نعمل إيه؟!
العجوز تردد وبعدين
بص ناحية باب صغير آخر الكوخ.
باب ما كنتش واخد بالي منه.
قديم وعليه سلسلة حديد.
وقال بصوت متوتر
فيه علاج تحت لكننا أقسمنا عمرنا ما ننزل هناك تاني.
وفي نفس اللحظة
جت خبطة هزّت باب الكوخ كله.
ثم صوت أمّي من الخارج صرخ
يوسف أختك بتموت لأنك مش راضي تفتحلي!فريدة كانت بتحترق بين إيديا.
جسمها الصغير بيرتعش، ونفسها بيطلع متقطع كأنه آخر نفس.
وبرّه صوت أمي المزيف بيصرخ باسمي.
يوسف! افتح الباب سيبيني أدخل للبنت!
كل جزء جوايا كان عايز يفتح.
أي طفل مكانّي كان هيصدق. كان هيجري على حضن أمه.
لكنّي افتكرت حاجة واحدة
أمي الحقيقية عمرها ما كانت هتسيبني خايف بالشكل ده.
العجوز شدّني من دراعي وودّاني ناحية الباب الصغير المقفول بالسلاسل.
مفيش وقت العلاج تحت.
فتح السلسلة بصعوبة، والباب صرّ صرير طويل كأنه ما اتفتحش من سنين.
ريحة تراب وعفن بارد طلعت من السلم اللي نازل لتحت.
شلت فريدة ونزلت ورا العجوز.
القبو كان غريب أوسع من الكوخ نفسه.
وفي آخره كان فيه رفوف مليانة برطمانات وأعشاب ناشفة، لكن اللي جمّد دمي فعلًا
كان الصور.
صور ناس.
متعلقة على الحيطان كلها.
رجالة وستات وأطفال.
كلهم ملامحهم مرعوبة.
وتحت كل صورة تاريخ.
سنين طويلة أقدم من ولادتي بكتير.
همست
مين دول؟
العجوز رد بصوت مكسور
الناس اللي الغابة خدتهم.
ثم وقف قدام صورة قديمة جدًا
ولما بصيت
فيها، قلبي وقف.
كانت صورة أبويا.
شاب صغير واقف جنب ست هي أمي.
وفي النص راجل واقف مبتسم.
نفس العجوز.
لفّيت ناحيته بصدمة
إنت تعرف أبويا؟!
تنهد ببطء وقال
تم نسخ الرابط