بدون سابق إنذار
شوفت إيدين بنتي وهي مزرّقة من التلج، ووشها الشاحب اللي بقى شبه الستات اللي عاشت عمر كامل من القهر، وفي اللحظة دي حسّيت إن قلبي بيتخلع من مكانه. لكن الغريب إني مبقتش بعيّط… بقيت هادية بشكل يخوّف.
مدحت كان لسه واقف قدامي نافش ريشه، وحماته قاعدة تبصلي بتشفي، فاكرة إني أم غلبانة جاية تدافع عن بنتها بكلمتين ودمعتين وتمشي. لكنهم مايعرفوش مين هي “ماجدة الهواري”.
أنا كنت ماسكة الموبايل بثبات، وكلمت الرقم وحطيته على السماعة.
— “ألو يا أستاذ رأفت؟”
جالي الصوت الرجولي الهادي: — “أيوه يا مدام ماجدة، تحت أمرك.”
رفعت عيني في وش مدحت وأنا بتكلم: — “حضرتك ممكن تطلع شقة ٤ حالًا؟ دلوقتي يعني.”
مدحت عقد حواجبه وقال بسخرية: — “مين الأستاذ رأفت ده؟ البواب الجديد؟”
أنا مردّتش.
بعد
إيمان اتخضت، وفايزة قامت تبص من العين السحرية وهي بتتمتم: — “مين اللي جاي في البرد ده؟”
فتحت الباب… واتجمد وشها.
راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة شيك ومعاه اتنين شباب ضخمين، وقف بهيبة وقال: — “مساء الخير يا مدام ماجدة.”
مدحت قام من مكانه باستغراب: — “حضرتك مين؟”
الراجل دخل بهدوء وقال: — “أنا رأفت السيوفي… صاحب العمارة دي كلها.”
ساعتها شوفت أول رعشة خوف حقيقية في وش مدحت.
بلع ريقه وقال: — “وأنا مالي يعني؟”
بصله الراجل ببرود: — “مالك إن عقد الإيجار باسم مدام ماجدة… وهي بلغتني حالًا إنها بتنهي إقامتكم في الشقة.”
السكوت نزل على المكان زي المقابر.
فايزة شهقت: — “إيه؟!”
إيمان نفسها بصتلي بعدم استيعاب: — “ماما… الشقة باسمك؟”
بصيت
مدحت ضحك بعصبية: — “إنتوا بتهزروا؟!”
رأفت طلع ملف من شنطة جلد وفتحه قدامه: — “العقار بالكامل مسجل باسم شركة الهواري للاستثمار العقاري… ومدام ماجدة هي المالكة الوحيدة.”
وش مدحت اصفر.
أما فايزة، فبدأت تتلعثم: — “بس… بس إحنا دافعين مقدم!”
أنا ابتسمت لأول مرة: — “المقدم اللي دفعته كان من فلوس بنتي… الشبكة والعفش والشقة وحتى العربية اللي بتركبها يا مدحت… كلها من فلوس بنتي ومن تعبي.”
مدحت قرب مني بعصبية: — “إنتِ بتخططي لطردنا؟!”
قلت بمنتهى البرود: — “لا. أنا بنفذ الطرد فعلًا.”
وبصيت للشابين اللي واقفين: — “اتفضلوا شيلوا شنط الست وابنها.”
فايزة صرخت: — “إحنا هنروح فين؟!”
بصيتلها نظرة جامدة: —
إيمان كانت واقفة تبصلي وهي مش مستوعبة اللي بيحصل. البنت كانت متعودة على الذل لدرجة إنها مش قادرة تصدق إن حد بينقذها.
مدحت حاول يلم الدور: — “يا طنط، أكيد سوء تفاهم… إحنا بنهزر مع إيمان عادي.”
أنا قربت منه لأول مرة، وشميت فيه ريحة الجبن تحت البرفان الرخيص.
وطيّت صوتي وقلت: — “الكدمة اللي في إيد بنتي… هزار؟ والرعشة دي؟ والخوف اللي في عينيها؟ والطبق اللي رميته عليها؟”
مردش.
لأول مرة عينيه نزلت الأرض.
قلت: — “أنا كنت مستنية اليوم ده من أول شهر جواز.”
إيمان بصتلي بصدمة: — “إيه؟!”
تنهدت وقلبي بيوجعني: — “أنا عرفت من بدري إن فيه حاجة غلط. كل مرة أكلمك ألاقيكي بتعيطي وتقولي دور برد. كل مرة أزورك ألاقيكي بتستخبي بكم طويل.
إيمان انفجرت في العياط.