بدون سابق إنذار
العياط اللي كان محبوس سنين.
جريت عليا وارتمت في حضني وهي بتشهق: — “أنا تعبت يا ماما… والله تعبت…”
حضنتها جامد، وإيدي على شعرها، وأنا حاسة إنها رجعت طفلتي الصغيرة اللي كانت بتستخبى في حضني من صوت الرعد.
لكن مدحت فجأة صرخ: — “دي مراتي! ومحدش ياخدها من بيتي!”
ضحكت ضحكة قصيرة باردة: — “بيتك؟”
وبعدين بصيت لرأفت: — “هاتله الورق التاني.”
رأفت فتح ورقة جديدة وقال: — “العربية اللي باسم الأستاذ مدحت… أقساطها مدفوعة بالكامل من حساب مدام إيمان، والشركة اللي بيشتغل فيها الأستاذ مدحت…”
وقّف لحظة وبصلي باحترام: — “تابعة لمجموعة الهواري.”
مدحت اتجمد.
أنا كملت: — “يعني ببساطة… شغلك، بيتك، عربيتك… وحتى الكرسي اللي قاعد عليه، كلهم ملك لعيلة الست اللي كنت بتكسرها.”
فايزة قعدت على الكرسي وهي بتقول: — “يا نهار إسود…”
مدحت حاول يتكلم لكن صوته خانُه: — “إيمان… قولي لهم حاجة!”
إيمان
نظرة واحدة بس… فيها كره، قهر، وانكسار سنين.
وقالت بصوت مبحوح: — “أنا هطلقك.”
الكلمة وقعت عليه زي الرصاصة.
صرخ: — “إنتِ مجنونة؟!”
لكنها كملت: — “أنت كنت بتضربني كل يوم يا مدحت… كنت بتحب تشوفني مكسورة. حتى الطفل اللي نزلته من بطني بسبب الضرب… مقولتلوش لأمك.”
أنا حسيت الأرض بتميد تحت رجلي.
لفّيتلها بسرعة: — “إيه؟!”
إيمان كانت بترتعش: — “كنت حامل يا ماما… وفي الشهر التالت ضربني عشان الأكل كان بارد…”
مدحت صرخ: — “كذابة!”
لكن إيمان طلعت موبايل قديم من درج المطبخ ورمته قدامي.
فتحته…
فيديو.
مدحت واقف بيشدها من شعرها، وفايزة بتضحك وبتقول: — “اضربها عشان تتربى.”
إيدي كانت بتترعش من الغضب.
رأفت نفسه وشه اتغير.
أما الشابين، فبقوا يبصوا لمدحت باحتقار.
مدحت حاول ياخد الموبايل لكن واحد من الرجالة
أنا بصيتله، وفي اللحظة دي مدحت فهم إن اللعبة انتهت.
قلت بمنتهى الهدوء: — “المرة دي فعلًا هكلم البوليس.”
وفعلًا اتصلت.
خلال نص ساعة… كان مدحت قاعد مكبل، وفايزة بتصرخ في الممر، والجيران متلمين يتفرجوا.
الست اللي كانت من شوية قاعدة تاكل فراخ تحت الدفاية، كانت واقفة في البرد تلف شالها وترتعش.
قبل ما البوليس ينزلهم، فايزة بصتلي بغل وقالت: — “إنتِ خربتي بيت بنتك!”
قربت منها وقلت: — “البيت اللي فيه خوف وضرب وإهانة… مايبقاش بيت.”
ونزلوا.
الباب اتقفل.
والشقة سكتت لأول مرة.
إيمان كانت لسه حافية.
نزلت على ركبتي قدامها، ومسكت رجليها المتجمدين بإيديا.
قلت لها وأنا ببكي: — “سامحيني يا بنتي… سامحيني إني اتأخرت.”
هي نزلت حضنتني وبكت زي الأطفال.
وبعد شهرين…
إيمان بدأت ترجع للحياة.
بقت تضحك تاني.
لون وشها رجع.
ورجعت تلبس ألوان فاتحة بدل السواد والرمادي.
وفي يوم،
ساعتها بس… حسيت إن الحرب خلصت.
لكن المفاجأة الأخيرة جات بعد ست شهور.
كنت قاعدة في مكتبي في الشركة، والسكرتيرة دخلت وقالت: — “في واحد عايز يقابل حضرتك… بيقول اسمه مدحت.”
دخل…
لكن مش نفس الشخص.
دقنه طويلة، هدومه رخيصة، ووشه مهلوك.
وقف قدامي وقال بصوت مكسور: — “أنا ضعت…”
بصيتله ببرود: — “وأنا مالي؟”
قال وهو بيعيط: — “أمي ماتت… وطردوني من الشغل ومحدش رضي يشغلني بعد القضية…”
وسكت لحظة: — “أنا عايز أشوف إيمان.”
قلت بمنتهى الحسم: — “إيمان ماتت بالنسبة لك يوم ما رفعت إيدك عليها.”
خرج مكسور.
ولا مرة رجع تاني.
أما بنتي…
فبعد سنة كاملة، كانت واقفة في نفس المطبخ… لكن المرة دي مختلفة.
لابسة شبشب فرو دافي، وبتضحك وهي بتطبخ، وفي راجل محترم واقف جنبها يساعدها ويقول:
وهي بتضحك بخجل.
وقتها عرفت إن ربنا أحيانًا بيكسر ناس مؤذية… عشان ينقذ أرواح بريئة كانت هتموت بالبطيء.