الحزن الذي يبدأ من العائلة لا ينتهي ابدا
كريمان ما استنتش الصبح.. ولا استنت إن مروان يفوق من جبنه.. ولا حتى استنت حد يحس إنه غلط فيها أو في بنتها.
كانت قاعدة تحت العمارة على الكنبة الجلد اللي جنب مكتب البواب، وليان نايمة على رجلها من كتر العياط والتعب، وباصّة للسما بعين ثابتة كأنها بتعد السنين اللي ضاعت من عمرها وهي بتحاول ترضي ناس عمرهم ما شافوها بني آدمة كاملة.
بعد أقل من نص ساعة.. دخلت عربيتين ربع نقل الشارع الضيق بتاع الزمالك، ورا بعض، ونزل منهم 6 رجالة شداد، ومعاهم زينة لابسة ترينش أسود وشعرها مربوط ووشها متكهرب من العصبية.
أول ما شافت كريمان جريت عليها مين اللي لمس البت؟!
كريمان ما ردتش.. بس شالت شعر ليان من على خدها، والعلامة الحمرا كانت لسه موجودة.
زينة سكتت لحظة.. وبعدين قالت بهدوء مرعب تمام.. الليلة دي هتخلص بطريقة عمرهم ما هينسوها.
طلعت كريمان ملف أزرق من شنطتها الصغيرة اللي كانت في العربية، وفتحته قدام زينة.
عقود.. أوراق ملكية.. إيصالات تحويلات.. وعقد الشقة.
زينة صفرت يا نهار أبيض.. دي الشقة باسمك إنتِ بالكامل!
كريمان ضحكت ضحكة كلها وجع مش بس الشقة.. العربية، والأوضة الجديدة اللي اتعملت لرشا، وحتى المطبخ الإيطالي اللي حماتي بتتباهى بيه قدام الناس.. كله من حسابي.
ومروان؟
كان بيقولي إحنا جواز يعني كله واحد.
ليان فتحت عينيها بنعاس وقالت هنروح فين يا ماما؟
كريمان باست راسها هنروح أي مكان فيه أمان يا حبيبتي.
طلعت فوق الشقة ومعاها الرجالة.
البواب حاول يقول يا مدام الناس فوق عندهم عزومة..
ردت وهي بتضغط على زر الأسانسير العزومة خلصت.
باب الشقة اتفتح على صوت الضحك والملاعق والكنافة اللي كانت لسه بتتقطع.
أول واحد شافها كان مروان.. قام مخضوض إنتِ رجعتي؟
دخلت بهدوء والرجالة وراها.
حماتي قامت واقفة إيه قلة الأدب دي؟ مين الناس دي؟!
كريمان مدت لها العقد الناس دي جاية تنقل عفشي من شقتي.
الصالة سكتت بالكامل.
رشا قامت تضحك بسخرية شقتك؟! إنتِ اتجننتي؟
كريمان رمت نسخة العقد على السفرة فوق طبق الورق العنب اقري يا حبيبتي.. الشقة دي باسمي أنا من أول يوم.
مروان خطف العقد بعصبية، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة على الورق.
وشه اصفر بالتدريج.
حماتي قربت منه قولها تسكت.. دي بتهزر صح؟
بس مروان ما ردش.
لأن الحقيقة كانت مكتوبة قدامه بالتوقيع والختم.
كريمان قالت وهي باصة له فاكر لما قولتلي نسجل الشقة باسمي مؤقتاً عشان الضرايب؟ فاكر لما قولتلي إنتِ مراتي ومفيش بينا حساب؟
رشا صرخت يعني إيه تنقلوا العفش؟! إحنا قاعدين هنا!
كنتوا قاعدين في بيتي.. دلوقتي قوموا.
حماتي شهقت إنتِ قليلة أصل!
كريمان ضحكت الأصل؟ الأصل إن محدش يمد إيده على طفلة صغيرة.
الرجالة بدأوا يفكوا النجف.
صوت المفكات خلا رشا تجري ناحية الأوضة إنتوا
أحد الرجالة رد ببرود المدام قالت يتنقل.
حماتي بدأت تصوت يا ناس! الحقونا! دي بتسرقنا!
كريمان لفت لها ببطء أسرقكوا؟ يعني أسرق حاجتي؟
مروان قرب منها لأول مرة وقال بصوت واطي كريمان.. الناس بتتفرج.. عيب.
ضحكت في وشه لما بنتك اتمدت عليها إيد قدام الناس مكنش عيب؟
سكت.
كعادته.
واحد من الرجالة خرج شايل شاشة التلفزيون العملاقة.
رشا جريت تمنعه نزّلها!
الراجل بص لكريمان.
كريمان قالت كمّل.
في أقل من ساعة.. الصالة الفخمة اللي كانوا بيتباهوا بيها بقت شبه الخرابة.
السجاد اتشال.. النيش الفخم اتملى كراتين.. حتى غرفة السفرة اللي حماتي كانت بتقول إنها مستوردة مخصوص من إيطاليا اتفكت قطعة قطعة.
الجيران بدأوا يفتحوا الأبواب.
الهمسات ابتدت تملى الدور إيه اللي بيحصل؟ مراته بتطرده! بيقولوا الشقة باسمها!
حماتي كانت هتموت من الغيظ.
وقفت قدام كريمان وقالت إنتِ ناوية تفضحينا؟!
ردت بهدوء الفضيحة مش إني أخد حقي.. الفضيحة إنكم فاكرين إن الناس اللي بتسكت ضعيفة.
مروان شدها من دراعها إنتِ بتخربي بيتك بإيدك.
كريمان بعدت إيده البيت اللي مفيهوش أمان لبنتي مش بيت.
ليان كانت واقفة عند باب الأوضة ماسكة اللعبة الصغيرة بتاعتها، وعينيها بتلف على الناس وهي خايفة.
كريمان ركعت قدامها خايفة؟
هزت راسها.
متخافيش.. محدش هيزعق لك تاني.
ليان حضنت
الجملة دخلت قلبها زي السكينة.
لأنها قضت سنين فاكرة إن القوة يعني تسكت وتستحمل وتحافظ على البيت مهما انكسرت جواها.
لكن بنتها الصغيرة علمتها إن القوة الحقيقية إنك تمنع الأذى قبل ما يكبر.
الرجالة خلصوا نقل آخر حاجة قبل الفجر.
الشقة بقت فاضية تقريباً.
حماتي كانت قاعدة على كرسي واحد في النص، وشعرها منكوش من الصدمة.
رشا بتعيط وبتشتم.
أما مروان.. فكان واقف في البلكونة ساكت.
كريمان قربت منه للمرة الأخيرة.
قال من غير ما يبصلها إنتِ كده دمرتي كل حاجة.
قالت لا.. أنا بس بطلت أسمحلكم تدمروني.
هنروح فين دلوقتي؟
ضحكت بمرارة اسأل أمك وأختك اللي كانوا فاكرين إن الدنيا ملكهم.
بص لها أخيراً وقال إنتِ عمرك ما كنتِ كده.
عشان عمري ما أخدت فرصة أبقى نفسي.
وسابته.
نزلت تحت مع بنتها وزينة.
عربيات النقل اتحركت مع أول أذان فجر.
والهوا البارد دخل صدرها لأول مرة من سنين كأنه نفس جديد.
زينة سألتها هتعملي إيه دلوقتي؟
كريمان بصت لقدام وقالت هبدأ من أول وجديد.
بعد أسبوع..
كانت كريمان مأجرة شقة صغيرة مفروشة في المعادي.
مش أفخم حاجة.. بس هادية.
مفيهاش صوت إهانات. ولا خوف. ولا حد يضرب بنتها عشان قطعة جلد محروق من الديك الرومي.
ليان رجعت تضحك تاني.
ترسم. وتجري. وتنام من غير ما تصحى مفزوعة.
أما مروان.. فبدأ يفوق متأخر.
عرف إن
الحسابات اتقفلت. الكروت البنكية