الحزن الذي يبدأ من العائلة لا ينتهي ابدا
وقفت. الشركة اللي كان فاكر نفسه شريك فيها اكتشف إنها باسم مراته.
ولأول مرة في حياته.. حس يعني إيه يبقى واقف لوحده.
فضل يرن عليها أيام.
رسائل.. مكالمات.. اعتذارات.
لكن كريمان كانت خلاص خرجت من السجن اللي اسمُه اللمة.
وفي يوم.. وهي راجعة من شغلها، لقت ليان واقفة في البلكونة الصغيرة مستنياها.
أول ما شافتها صرخت بفرحة ماما جت!
الجملة كانت بسيطة..
لكن كريمان حست وقتها إنها كسبت الدنيا كلها.
لأنها أخيراً بقت أم بتحمي بنتها.. مش ست مكسورة بتحاول ترضي ناس عمرهم ما عرفوا معنى الرحمة.
وفي ليلة العيد اللي بعدها..
كانت قاعدة هي وليان ياكلوا بيتزا على الأرض وسط كراتين لسه متفتحتش، ويضحكوا على فيلم كرتون قديم.
لا ديك رومي. لا نيش كريستال. لا ناس بتتكلم عن الإتيكيت والأصول وهي قلوبها مليانة سواد.
بس سلام.
ولأول مرة من سنين..
كريمان حست إن بيتها بقى بيت فعلاً.
بعد شهرين كاملين من ليلة العيد.. الليلة اللي اتقلبت فيها حياة كريمان وليان رأس على عقب.. كانت الشمس داخلة من شباك الشقة الصغيرة في المعادي بهدوء غريب، وريحة القهوة المالية المكان، وليان قاعدة على الأرض بتلوّن رسمة لعيلتها الجديدة.
هي.. ومامتها.. وقطة بيضا كانت بتجيلهم كل يوم للبلكونة لحد ما بقوا يحطلها أكل وسمّوها فلة.
كريمان خرجت من المطبخ وهي شايلة المج، وبصت للرسمة.
مافيش أب.
ولا تيتة.
ولا خالة رشا.
بس ضحكة ليان كانت واسعة لأول مرة من سنين.
قلب كريمان وجعها.. لأن البنت الصغيرة دي كانت محتاجة الأمان أكتر من احتياجها لأي حاجة تانية.
الموبايل رن.
الاسم اللي ظهر خلا وشها يتشد مروان.
سابته يرن. ويرن. ويرن.
لكن المرة دي الرسالة اللي وصلت بعدها خلتها تقف مكانها
بابا تعبان أوي.. وعايز يشوفك.
حماها.
الراجل الوحيد في البيت ده اللي عمره ما شتمها بشكل مباشر.. بس عمره برضه ما حماها.
الحياد
زينة كانت قاعدة معاها وقتها، خطفت الموبايل وقرت الرسالة وقالت متروحيش.
كريمان سكتت.
زينة كملت وقت ما بنتك اتمدت عليها الإيد، الراجل ده كان بيقطع لحمة في طبقه عادي.
كريمان بصت لفنجان القهوة وقالت بهدوء عارفة.. بس يمكن عايزة أقفل الباب ده بنفسي.
في نفس الليلة.. راحت.
عمارة الزمالك نفسها كانت واقفة شامخة كأن حاجة ما حصلتش، لكن الحقيقة إن الدور كله كان عارف الفضيحة.
البواب أول ما شافها اتعدل في وقفته حمد لله على السلامة يا مدام.
لأول مرة يقولها مدام باحترام حقيقي.
طلعت الأسانسير وحدها.
ولما باب الشقة اتفتح.. الصدمة خبطتها في وشها.
الشقة شبه ميتة.
مافيش نجف. مافيش سفرة. مافيش ريحة أكل فاخر. حتى الصالون الكبير اختفى.
المكان كان فاضي بطريقة تفضح الحقيقة كل الهيبة اللي كانوا عايشين بيها كانت متعلقة بالحاجات اللي هي اشترتها.
حماتها كانت قاعدة على كنبة قديمة، لابسة إسدال باهت وشكلها أكبر بعشر سنين.
أول ما شافتها قالت بحدة إنتِ جاية تشمتي؟
كريمان ردت ببرود جاية أشوف الراجل العيان.
حماتها ضحكت بسخرية بعد ما خربتي بيت ابني؟
ابنك اللي خرب بيته بإيده يوم ما سكت.
قبل ما ترد.. ظهر مروان من الممر.
وكريمان اتفاجئت.
خسّ. وشه أصفر. دقنه طويلة ومهملة. وعينيه فيها نظرة واحد اتسحب من تحته كل حاجة فجأة.
كان لابس تريننج قديم لأول مرة تشوفه بيه.
الراجل اللي كان ما يلبسش غير براندات ويقضي ساعات قدام المراية بقى شبه نفسه القديمة قبل الجواز.
قال بصوت مبحوح شكراً إنك جيتي.
ما ردتش.
دخلت أوضة حماها.
الراجل كان نايم على السرير وأنبوبة أكسجين جنبُه.
أول ما شافها دمعت عينه.
أشار لها تقرب.
قربت بحذر.
قال بصوت متقطع أنا ظلمتك.
الجملة نزلت عليها تقيلة.
لأنها أول اعتراف حقيقي تاخده من البيت ده كله.
بص للأرض وكمل كنت
كريمان حسّت بغصة في زورها.
قال سامحيني.
سكتت ثواني طويلة.. وبعدين قالت أنا مش زعلانة منك عشان كنت قاسي.. أنا زعلانة لأنك كنت شايف وساكت.
الراجل غمض عينيه وكأن الكلام وجعه أكتر من المرض.
بعد نص ساعة.. خرجت من الأوضة.
سمعت صوت خناق في الصالة.
رشا كانت بتزعق قولتلها تيجي ليه؟ ناقص ترجع تتمنظر علينا؟
ولما شافت كريمان خرجت، ضحكت باستهزاء أهو رجعتِ في الآخر.
كريمان بصتلها بهدوء مرعب لا.. أنا بس جيت أودع راجل مريض. إنما المكان ده انتهى بالنسبة لي.
رشا قربت منها وهمست فاكرة نفسك كسبتي؟
كريمان ابتسمت أنا كسبت بنتي.
الكلمة خلت رشا تسكت لحظة.
لأنها رغم كل حاجة.. كانت لوحدها.
لا جواز كمل. ولا شغل استقر. ولا حد مستحمل طبعها.
الناس اللي بتعيش طول عمرها تأذي غيرها غالباً بتصحى في الآخر تلاقي نفسها فاضية.
مروان نادى على كريمان قبل ما تمشي.
وقف قدامها في الممر الضيق وقال أنا اتغيرت.
كريمان ضحكت بحزن الناس مبتتغيرش لما تخسر الفلوس يا مروان.. الناس بتظهر حقيقتها.
أنا بحاول أصلح.
متأخر.
عشان بنتنا على الأقل.
لأول مرة نطقت الكلمة دي من غير خوف بنتنا محتاجة أب يحميها.. مش واحد يطلب منها تسكت عشان اللمة.
مروان دمعت عينه ليان بتكرهني؟
كريمان سكتت شوية.. وقالت ليان بتخاف منك.
الجملة كسرت حاجة جواه بوضوح.
لأن البنت اللي كانت بتجري عليه أول ما يدخل البيت.. بقت أول ما تسمع اسمه تتوتر.
ومحدش غيره السبب.
بعدها بأيام.. ابتدت جلسات المحكمة.
مروان كان متوقع إنها هتتنازل وترجع لما يهدى الوضع.
لكن كريمان كانت كل يوم بتبقى أقوى.
قدمت كل حاجة تقارير المدرسة عن الحالة النفسية لليان. رسائل الإهانة. تحويلات الفلوس. حتى تسجيل قديم لمروان وهو بيقول أهم حاجة أمي متزعلش.
المحامية بتاعتها قالت بعد الجلسة الأولى إنتِ كنتِ
ناس مستغلينك بالكامل.
وفي نفس الوقت.. شغل كريمان كان بيكبر بشكل مرعب.
المدير الإقليمي للشركة استقال، والإدارة رشحتها مكانه.
يوم ما وصلها الإيميل.. قعدت تبكي لوحدها في المكتب.
مش عشان المنصب.
عشان افتكرت البنت اللي نزلت القاهرة زمان بشنطة مكسورة و جنيه في جيبها، وكانت بتستخبى تعيط في حمام السكن الجامعي من الإهانة.
لو البنت دي شافت نفسها دلوقتي.. كانت هتصدق إن الوجع عمره ما بيروح هدر.
أما ليان.. فابتدت ترجع طفلة تاني.
بقت تضحك بصوت عالي. تطلب آيس كريم. تنام من غير ما تستخبى تحت البطانية.
وفي مرة وهي بتمشط لها شعرها قبل المدرسة، سألتها هو بابا كان بيحبني؟
السؤال شق قلب كريمان نصين.
قالت بعد صمت كان بيحبك.. بس الحب لوحده مش كفاية.
ليه؟
عشان اللي بيحبك لازم يحميك.
ليان فكرت شوية.. وبعدين هزت راسها كأنها فهمت حاجة أكبر من سنها.
وفي ليلة شتا بعدها بشهور.. الباب خبط.
كريمان فتحت.
اتفاجئت بمروان واقف برا.
متبهدل من المطر.
وشه مرهق.
وفي إيده كرتونة صغيرة.
قال دي حاجات ليان القديمة.. لقيتها.
كانت أول فستان عيد لبسته. وصور. ولعبة أرنب صغيرة.
ليان أول ما شافته استخبت ورا رجل أمها تلقائي.
مروان شاف الحركة.. وشه وقع.
ركع على ركبته وقال بصوت مكسور أنا آسف يا ليان.
البنت ما ردتش.
حضنت رجل مامتها أكتر.
كريمان قلبها وجعها عليه للحظة.. لكن الجرح اللي جواه هو كان السبب فيه.
قال ممكن أحاول أصلح؟
كريمان ردت بهدوء الإصلاح مش كلام.. الإصلاح وقت وأفعال.
ساب الكرتونة ومشي.
ولأول مرة.. كان هو اللي خارج من باب بيتها مكسور.
بعد سنة كاملة..
كانت كريمان قاعدة في حفل مدرسي، وليان طالعة على المسرح بفستان أبيض صغير وبتقول بثقة أكتر شخص علمني أكون قوية هو ماما.
القاعة كلها سقفت.
أما كريمان.. فكانت بتعيط وهي بتضحك.
لأنها أخيراً فهمت إن الست القوية
الست القوية هي اللي تقوم.. حتى لو قلبها مرعوب.. وتاخد بنتها وتمشي.
وتبني لهم حياة جديدة.. من أول وجديد.