مرات طليقي

لمحة نيوز

صامت.
كل خطوة ليكي ناحية الصف الأول كانت كأنها بترجع جزء من عمرك.
لكن فجأة
صوت محمود اخترق اللحظة
استنوا!
القاعة اتجمدت تاني.
محمود كان واقف، وشه مشوش بين غضب وارتباك.
وقال بصوت عالي
اللي بيحصل ده مسرحية! ابني متأثر! فيه حاجة غلط!
سكت لحظة
وبعدين كمل
الفلاشة دي ممكن تكون متفبركة!
همهمة خافتة بدأت تنتشر.
لكن عمر ما ردش عليه.
ولا حتى بص له.
طلع تليفونه بهدوء.
وفتح تسجيل صوتي.
وقال
مش محتاج أثبت أكتر من كده.
وضغط تشغيل.
صوت محمود نفسه امتلأ القاعة
واضح وقاسي
سيبه يعيش على قد أمه هي اللي اختارت الفقر لنفسها.
أنا مش هصرف عليه خليها تشيل المسؤولية.
صوت تاني
داليا وهي بتضحك
سيبها تتعلم إن مكانها مش في الأول.
القاعة كلها شهقت.
بعض الناس قاموا من كراسيهم.
ومحمود لأول مرة رجع خطوة لورا.
كأنه فقد توازنه.
لكن عمر قرب منه بهدوء.
وقال
أنا ما جبتش حاجة جديدة.
أنا بس خليت اللي اتدفن يطلع للنور.
سكت ثانية.
وبعدين قال
النهارده مش بس تخرجي يا أمي
بص لك.
ده يوم خروجك من الظل.
في اللحظة دي
مدير المدرسة تقدم خطوة للأمام، وقال بجدية
بناءً على ما تم عرضه سيتم رفع تقرير رسمي للجهات المختصة للتحقق من النفقة والملفات المالية.
القاعة بقت صمت تام.
محمود حاول يتكلم تاني، لكن صوته ما طلعش.
كأن الكلمة اتسحبت منه.
داليا قامت بسرعة، وبدأت تمشي ناحية الباب، لكن محدش كان مركز معاها أصلاً.
كل العيون
كانت عليك إنتي.
وعلى ابنك اللي واقف جنبك كأنه سدّ سنين كاملة.
عمر قرب منك أكتر.
وهمس
خلصنا أول صفحة
بس لسه في صفحات هتفتح قريب.
وبص ناحية الباب اللي خرج منه محمود
وقال بهدوء غريب
والحساب لسه ما اتقفلش.
القاعة كلها كانت حاسة إن اللي جاي أكبر من مجرد حفل تخرج.
وأنتي واقفة في الصف الأول
أول مرة تحسي إن النهاية اللي كنتي فاكرة إنها راحة
كانت في الحقيقة بداية مواجهة جديدة في اللحظة اللي عمر قال فيها الحساب لسه ما اتقفلش
الإضاءة في القاعة حصل فيها وميض خفيف.
كأن الكهرباء نفسها اتوترة من الجملة.
ومحمود وقف مكانه لأول مرة من غير ما يعرف يتحرك.
لكن اللي حصل بعد كده ما كانش في حسابه خالص.
باب القاعة الخلفي اتفتح فجأة.
ودخل شخص لابس بدلة رسمية، ومعاه ملف سميك جدًا.
خطواته كانت سريعة وهادية في نفس الوقت.
الناس بصت له باستغراب.
الراجل وقف في نص القاعة وقال بصوت واضح
أنا من النيابة العامة.
الهمس انفجر في المكان.
محمود اتجمد.
وداليا رجعت خطوة لورا كأن الأرض بتسحبها.
الراجل فتح الملف وقال
تم استدعاء السيد محمود على خلفية بلاغ رسمي مقدم مدعوم بمستندات وتحويلات وأدلة رقمية.
سكت ثانية.
وبعدين كمل
وتقرير يفيد بامتناعه عن النفقة لمدة تتجاوز 10 سنوات رغم وجود قدرة مالية مثبتة.
محمود حاول يتكلم
دي مؤامرة! أنا
لكن صوته اتكسر في نص الجملة.
عمر رفع الفلاشة وقال بهدوء
مش مؤامرة.
ده أرشيف
حياتك.
الراجل الرسمي مد إيده بطلب مباشر
حضرتك مطلوب للتحقيق فورًا.
وفي اللحظة دي
كل حاجة وقفت.
حتى التصفيق اللي كان لسه من شوية
اختفى تمامًا.
محمود بص حواليه كأنه مستني حد ينقذه.
لكن مفيش حد اتحرك.
لا داليا.
ولا أي حد من صورته القديمة اللي كان بيحتمي بيها.
خطوة واتنين
رجليه اتحركوا غصب عنه ناحية الباب.
لكن قبل ما يخرج
وقف.
وبص ناحية عمر.
صوته طلع مكسور لأول مرة
أنا أبوك.
عمر رد عليه بهدوء يقطع القلب
كنت.
صمت طويل.
الراجل أخد محمود وبدأ يمشي بيه.
لكن قبل ما يختفي من الباب
لف مرة أخيرة.
وبص لك إنتي.
نظرة ما بين صدمة وخوف وإدراك متأخر جدًا.
لكن عمر وقف جنبك.
وحط إيده على إيدك.
وقال
ماتخافيش ده مش نهاية الفوضى.
سكت لحظة
وبص قدام القاعة الفاضية تدريجيًا.
ده بداية الحساب الحقيقي.
وفي نفس اللحظة
الموبايل بتاعه رن.
رسالة جديدة.
فتحها
وشه اتغير لأول مرة.
وبص لك وقال بهدوء غريب
في حاجة أكبر من كده
وفي حد لسه ما اتكشفش.
القاعة كلها كانت بتنهار في الصمت
وأنتي لسه واقفة في الصف الأول
بس المرة دي
مش لوحدك عمر فضل ماسك الموبايل في إيده وبصه مش مركز.
وبعدين قال بهدوء غريب
الرسالة دي مش من أي حد عادي
رفعتي عينيكي له، وإحساس غريب بدأ يدخل قلبك.
هو كمل
دي جاية من رقم كان مفروض يفضل مدفون.
قبل ما يوضح أكتر، مدير المدرسة نفسه قرب بسرعة وقال بصوت منخفض
فيه حاجة حصلت بره؟
عمر هز راسه
مش
بره جوه من زمان.
وفجأة
صوت خطوات سريعة رجع يملأ الممر.
بس المرة دي مش شرطة.
ولا موظفين.
كانت بنت صغيرة من موظفي القاعة.
وشها مرعوب.
وقالت وهي بتنهج
فيه ملف اتفتح بالغلط في السيرفر بتاع المدرسة
الكل سكت تاني.
عمر رفع راسه بسرعة.
أي ملف؟
البنت بلعت ريقها وقالت
ملف باسم والدتك.
الهواء اتسحب من القاعة مرة واحدة.
إنتي حسّيتي إن رجلك اتجمدت.
عمر قرب منها بسرعة وقال
مين فتحه؟
البنت بصت ناحية الباب وقالت جملة واحدة بس
حد من اللجنة بس مش موجود دلوقتي.
وفي اللحظة دي
الموبايل بتاع عمر رن تاني.
نفس الرقم الغريب.
بس المرة دي الرسالة كانت أطول.
فتحها.
وقرأ بصوت واطي
لو وصلتكم الرسالة الأولى يبقى أنتم قربتوا من الحقيقة.
سكت لحظة.
وبعدين كمل
بس اللي انتوا فاكرينه انتصار هو بس أول طبقة.
رفع عينيه ببطء.
وقال
في حد كان بيدير كل ده من ورا الستار
القاعة كلها بدأت تتلفت حوالين بعضها.
ومحمود وهو بيتسحب بره كان بيحاول يصرخ، بس صوته كان بيتكتم.
عمر بص ناحيتك وقال
اللي حصل مع بابا كان جزء.
سكت.
وبعدين قال الجملة اللي خلت قلبك يقع
لكن اللي جاي مش هيكون عن بابا.
هيكون عن اللي خلّى بابا كده.
وفي نفس اللحظة
الأنوار في القاعة كلها فصلت.
ظلام كامل.
ثانيتين صمت مرعب.
وبعدين
نور واحد اشتغل على الشاشة الكبيرة.
لوحده.
وظهر عليه ملف مفتوح.
عنوانه
الوصيّ المجهول ملف 12 سنة
وصوت عمر في الظلام قال
بهدوء
دلوقتي هنشوف مين كان بيحرّك الخيوط فعلاً.
القاعة كانت في ظلام شبه كامل والنور الوحيد جاي من الشاشة الكبيرة.
عنوان الملف ثابت قدام الكل
الوصيّ المجهول ملف 12 سنة
صوت تنفّس الناس
تم نسخ الرابط