المرآة المسحورة بقلم أحمد سعيد ابو زيد

لمحة نيوز

يعبر الباص محور المثلث وعلى امتداده يقع شارع الجيش وحى الأربعين الشهير وهو أحد المحاور التى فشل العدو من خلالها إقتحام المدينة راح الجميع من حولى يتحدثون عن تاريخ الأماكن ويسردون ماتختزن ذاكرتهم من أحداث لتلك الأيام الرائعة فى وجدان الشعب بينما رحت أنا وقد إنصفلت
عنهم مرغما أبحث دون خجل والحافلة تخترق شوارع المدينة عن وجه فوزية فى كل الوجوه السمراء التى ألمحها كانت تحتدم فى داخلى معركة هى أشد وطئا من صمود السويس فى وجه دبابات وطائرات العدو أجوب بنظراتى الشرفات وأمسح بها مداخل البيوت والأرصفة والحوانيت وسأل نفسى الملتاعة لماذا لاتكون تلك المنشفة المعفلة فى الشرفة البرتقالية والتى يعبث الهواء هى منشفتها وهذا الثوب النسائى الزاهى المعلق بالمشاجب على جبل الشرفة التالية هو أحد ثيابها وهذا الطفل الذى يلهو فى الشرفة الثالثة ويتقافز على إمتداد طولها ألا يحتمل أن يكون أحد أطفالها عرق غزير راح يتفجر من عيون الجسد وتسارعت الأنفاس فاغمضت عينى وألصقت جانب وجهى بالنافذة الزجاجية للحافلة ورحت ألهث بينما الذاكرة الإسفنجية تسيل بلاتوقف والحنين إلى فوزية جنى حطم سدادة القمقم وإنتصب أمام إرادتى ماردا عملاقا يلوح بسوط العڈاب لومضات العقل الواهية فتبتلع المسكينة مفردات شفراتها وتعض 
بعد منتصف الليل وعقب تناول العشاء جلسن فى شرفة الفندق المطل على مجرى واسترخيت عبر المقعد فى محاولة منى لهدهدة الذاكرة
المنهكة ومتوسلا للروح أن تمنح الجسد الوعاء قسطا من الراحة بعد أن هده السفر المتعاقب ولم أكن أطمع فى النوم فهو أبعد منالا وأعصى من أن يلبى كان رفيقى فى الغرفة أحد الشعراء وقد تجاوز عمره الخامسة والسبعين وجاء متسللا وجلس قبالتى وبلا مقدمات راح يلقى بلا توقف أشعاره الرائعة ولو كان واحد من الأقران لطلبت منه على الفور أن يتوقف وأن يحتفظ بتلك الأشعار لمناسبة أخرى أو لشخص آخر كان يحكى لى عن مناسبات التنظيم وردود الأفعال وجهات النشر وماحصل عليه من جوائز ورغم أن أحاديثه كانت شيقة وممتعة إلا أننى لم أكن فى حالة تسمح لى بالإستيعاب ناهيك عن الإستماع بالإضافة وكما هو معروف إذا ما اجتمع شاعر مع قاص أو روائى فى مكان واحد فالغلبة والإستحواذ دائما فى صالح الشاعر الذى لابد وأن يحفظ أشعاره عن ظهر قلب بينما لا يملك القاص سوى الإنصات إلا لصوت الذكريات التى إحتلت الحواس وراحت تعبث فيها صخبا شعرت بالملل وغصة فى الحلق وكأن حجرا ثقيلا حط على الضلوع يكاد يزهق منى الروح ويلقى بعقلى إلى آتون الجنون نهضت فجأة وغادرت الغرفة ومن بعدها الفندق دون أن أعتذر للرجل ورحت أهيم على وجهى فى شوارع المدينة التى خلت من المارة وهجعت مبكرا على غير ماتوقعت وأن أتجول على غير هدى سألت نفسى بعد أن جعلت عقلى ينازل القلب ويستحوذ منه على قدر من الإستكانة والرضوخ لمدة دقائق عن الأسباب التى أوردتنى إلى ما أعانى منه الآن فاقد كان فى
إمكانى أن أعثر على عنوانها وبالتالى الذهاب إلى مدينتها منذ سنين خلت لكننى لم أحاول فهل
كنت من النبل بحيث لم أشأ وهى التى عانت مثلى كثيرا أن أزيد من متاعبها بعد أن وهبت جسدها وهى فى خضم لرجل آخر أنجبت منه من الأبناء ثلاثة وهل حلق بى هذا النبل عاليا حتى قمتى عندما ظللت أقنع نفسى طوال تلك السنين بأننى من خلال الانزواء تعيدا أتيح أمامها الفرصة كاملة كى تهب قلبها إن إستطاعت لهذا الرجل بعد أن وهبته الجسد من قبل وخاصة أنها أخبرته كما عرفت من آخر رسالة بعثت بها كل تفاصيل المأساة التى حاقت بنا أم هو الشعور بأننى لم أقاتل معركتى كما يجب أن يقاتل المچنون والعشاق وأننى ألقيت بسلاحى وأثرت الإبتعاد خوفا عليها من معركة لاتحتمل وقائعها وهى المخلوق الرقيق الهش فكان الإنفصال الذى يشبه المۏت البطئ ! أم تراه التناسب القائم بين العين والقلب كما يشاع حيث يبتعد المعشوق عن قلب العاشق بنفس القدر الذى ينأى به عن العين ! كل الأسئلة لاتخرج عن نطاق الصواب وجميع الأجوبة التي حصلت عليها من نفسى هراء فى هراء من يستطيع أن يقنعنى الآن بأن طائرى المغرد قد رحل من سوسنة القلب عندما رحلت نحو الشمال وأن تلك الألحان التى كانت تشدو فى داخلى ماهى إلا أنات منغمة من صنع الذات الحزينة ! من ومن ذا الذى يجافى الحقيقة ليعلن وهى ننى العين وحبة القلب بأنها وبعد ربع قرن من الزمان لم تكن سوى زهرة معمرة تعبق فى مواسم الذكرى وشوكة سحرية
تؤخذ بين الحين والحين من ومن الذى يجزم بأن قلوب المحبين الخضراء تخضع المحو وهزائم وإنكسارات التعاقب والتقادم فتصاب بالوهن والنسيان من ومن يستطيع الآن وأنا أكاد أستمع إلى أنفاسها وهى تتردد بين جدران المدينة أن يعيدنى إلى وهم حسابات العقل ويخضعنى مرة أخرى لخناعة أفيون الصبر ! من ومن يستطيع أن يلمح لى يأن جمرة الشوق قد تخبو وضياء الأمل فى الوصل قد يأفل وأن ما ألم بمشاعرى ماهى إلا إختلافات المۏت وحشرجات النزع الأخير ! من ومن يجرؤ أن يذكرنى الآن وقد شرعت سيفى الذى لم
يقترب منه الصدأ ولم يثلم وأسرجت حصانى بأن القدر قال كلمته بشأننا منذ زمن بعيد وأن بعيد ماتبقى من العمر لا يحتمل الجهاد وأن التلاقى بعد إفتراق طال أمده قد ينكأ الجراح ويجدد الأحزان ولا طائل يرجى من ورائه وماهو إلا لحظات رومانسية عقيمة قد تكتب فى الدفاتر ليقرأها السذج بينما يهزأ منها الواقع ويسخر !
ياالله كم كنت غبيا عندما أسلمت نفسى لأكذوبة كبرى أسمها النسيان ولخدعة كبرى اسمها القسمة والنصيب !! فمنذ متى إنصرم ربع القرن هذا وقد إفترقنا بالأمس القريب فقط ! ومتى التأملت الجراح حتى نخشى من نكأها مرة أخرى هى بؤبؤ العين لم تزل ونبض الحياة فى العروق هى الشهقة والزفرة هى الروح وإن كان هناك ماهو أسمى من الروح فهى يقينا ذلك الأسمى ولاريب 
لم يعد أمامى وقد بلغ السيل الزبى إلا أن أهب إلحاح قلبى مايصبوا إليه فاعتقلت عقلى وصفدته جيدا
بالأغلال

تم نسخ الرابط