رجع بعد تسع سنين بقلم زيزي

لمحة نيوز

رجع بعد 9 سنين عشان ينقذ أمه بس لقاها بتربي طفلين عمره ما كان يعرف إنهم موجودين!
الحاجة أم حسن كانت واقفة على باب بيتها الطيني اللي واقع، وطفلين ماسكين في طرف جلابيتها كأنهم مستخبيين من خطر.
ما كانتش بتبتسم.
ولا شكلها مرتاحة.
كانت مرعوبة.
وقدامها، بعد 9 سنين كاملة كان واقف ابنها حسن.
راجع من برّه، راكب عربية جديدة، ومليان هدايا في الشنطة، وعلى وشه ابتسامة واثقة لراجل فاكر إنه أخيرًا رجع يحقق وعده.
بس في اللحظة دي محدش ابتسم.
وهو ما كانش فاهم ليه.
كان فاكر إنه راجع ينقذ أمه.
ما كانش عنده أي فكرة إن جوه البيت القديم ده، اللي سقفه بيشرّب ميه وحيطانه متشققة الحياة كملت من غيره بطرق عمره ما يتخيلها.
حاجات حصلت في التسع سنين دول كانت هتكسّر كل اللي هو فاكره عن عيلته
عن أمه
وعن تمن إنه يسيب كل حاجة ويمشي.
بس عشان نفهم اللي حصل في اليوم ده، لازم نرجع للبداية.
لبلد صغيرة في الجبل.
لست كانت بتصحى كل يوم الساعة 430 الفجر لمدة 9 سنين ومحدش فاهم ليه.
في قرية صغيرة، الصبح بيبدأ قبل الشمس قبل صوت الفراخ قبل ما النور يلمس سطوح البيوت اللي واقفة بالعافية.
وفي بيت من البيوت دي، أقدم بيت في الشارع، اللي حيطانه متشققة وسقفه بيسرب مع كل مطرة كانت ست عندها 68 سنة صاحيه.
الساعة 430 الفجر، الحاجة أم حسن كانت واقفة

قدام الفرن البلدي، بتولّع النار بإيدين وارمين ومتشققة من الشغل لدرجة إنها باينة أكبر من سنها.
وفي الأوضة اللي جنبها طفلين نايمين.
ما يعرفوش إن كل حاجة في حياتهم معتمدة على الإيدين التعبانة دي.
لمدة 9 سنين، أم حسن عايشة كده.
9 سنين بتصحى قبل البلد كلها.
9 سنين بتعمل أكل وتبيعه في السوق.
9 سنين بتمشي مسافة طويلة لحد المدرسة، شايلة شنط تقيلة على دراعاتها اللي بالعافية مستحملة.
وكل يوم بعد الضهر، بترجع باللي فاض من الأكل وجسمها بيصرخ من التعب.
بس عمرها ما وقفت.
ما كانتش تعرف تقف.
باعت دبل جوزها المتوفي عشان تدفع مصاريف ولادة محدش غيرها كان هيدفعها.
بطلت تجيب دوا لنفسها عشان الأطفال يلاقوا كراسات وجزم مدرسة.
بتمشي كل يوم وركبها بتوجعها ومرة واحدة ما اشتكتش.
ما اشترتش لنفسها هدوم جديدة بقالها حوالي 10 سنين.
كل جنيه كانت بتكسبه بيروح على الأطفال
على الأكل
على العيشة
وعلى بيت بيقع واحدة واحدة.
محمود وسارة كان عندهم 9 سنين.
توأم.
بس شكلهم مختلف خالص.
محمود هادي، بيراقب كل حاجة، من النوع اللي ممكن يقعد ساعة كاملة يرسم عربيات في كشكول قديم من غير ما ينطق.
سارة العكس تمامًا.
جريئة.
حدة.
وصريحة زيادة عن سنها.
كان عندها نظرة بتخلي الكبار يتوتروا كأنها فاهمة حاجات أكبر منها بكتير.
الاتنين كانوا بينادوا أم
حسن يا تيتة.
وكانوا بيناموا في نفس السرير الحديد القديم اللي بيزيق مع أي حركة.
وبيأكلوا أي حاجة تتحط قدامهم من غير ما يسألوا لو في أكتر عشان خلاص اتعودوا إن غالبًا مفيش.
وعلى حيطة المطبخ، في برواز خشب مكسور كانت فيه صورة شاب بعينين سودا وابتسامة ما بقتش موجودة في البيت ده.
كل مرة محمود يعدي من قدام الصورة، كان يقف شوية ويبصلها كأنه بيحاول يلاقي حاجة مألوفة في وش ما حدش شرحه له كامل.
سارة، على العكس بطلت تبص للصورة من زمان.
مرة سألت أم حسن مين ده؟
قالت لها ده أبوكوا.
شغال برّه.
وهييجي في يوم.
سارة ما سألتش تاني.
مش عشان صدّقت
بس عشان اتعلمت بدري حاجة الأطفال المفروض ما يتعلموهاش
في أسئلة بتخلّي الجدّات تعيط.
ودلوقتي، بعد 9 سنين الراجل اللي في الصورة واقف على الباب.
بس هو راجع مستني شكر
مش أسرار.
واللي هيكتشفه
هيغير حياتهم كلهم للأبد حسن وقف قدام الباب، عينيه بتتنقل بين أمه والطفلين اللي مستخبيين فيها.
صوته خرج متردد
إيه ده يا أمي؟ مين دول؟
أم حسن بلعت ريقها، وإيديها شدّت على هدومها كأنها بتحاول تستخبى هي كمان.
ما ردّتش.
سارة بصّت له بثبات غريب وقالت
إنت مين؟
الكلمة نزلت على حسن زي الصاعقة.
قرب خطوة، حاول يبتسم
أنا أنا أبوكوا.
محمود شد إيد سارة وهمس
ده هو نفس اللي في الصورة.
سارة ما رمشتش حتى.

قالت ببرود
أبو إيه؟ إحنا ما عندناش أب.
الصمت وقع تقيل.
حسن لفّ على أمه بعصبية
أمي! فهميني إيه اللي بيحصل؟!
أم حسن قعدت على الكرسي كأن رجليها ما بقتش شايلها.
وقالت بصوت مكسور
ادخل وانا أحكيلك.
دخل حسن، وحس إن البيت أضيق من زمان وأبرد وغريب.
بص حوالين نفسه نفس الحيطان نفس الفرش القديم
بس في حاجة اتغيرت حاجة كبيرة.
قعد قدام أمه، والطفلين واقفين بعيد شوية، بيراقبوه كأنه غريب.
قال بحدة
مين دول؟!
أم حسن غمضت عينيها لحظة وبعدين قالت
دول عيالك يا حسن.
الكلمة وقعت زي القنبلة.
إيه؟!
حسن قام واقف مرة واحدة، الكرسي وقع وراه.
إزاي؟! أنا سبت البلد قبل 9 سنين! سبتها وأنا حتى مش متجوز!
أم حسن دموعها نزلت
فاكر فاطمة؟
حسن سكت اسمه اتحفر جواه.
فاطمة؟ خطيبتي؟
هزّت رأسها
أيوه كانت حامل.
الدنيا لفت بحسن.
إيه اللي بتقوليه ده؟! ليه ما قولتيليش؟!
أم حسن صرخت لأول مرة
كنت هقولك إيه؟! وانت سافرت فجأة! مفيش تليفون! مفيش عنوان! ولا حتى رجعت تسأل!
سكتت لحظة، وبعدين كملت بصوت أهدى بس أوجع
فاطمة استنتك لحد ما بطنها كبرت والناس بدأت تتكلم أهلها ضغطوا عليها وهي كانت رافضة تتجوز غيرك
حسن حس إن نفسه بيتسحب منه
وبعدين؟
أم حسن بصّت على الأطفال
ولدت توأم محمود وسارة.
سارة بصّت بعيد كأنها مش مهتمة، بس عينيها كانت بتلمع.
حسن همس
فين
فاطمة؟
السكوت كان الإجابة.
وبعدين أم حسن قالت
ماتت بعد الولادة بيومين.
حسن وقع على الكرسي تاني
إيده على وشه ودموعه
تم نسخ الرابط