رجع بعد تسع سنين بقلم زيزي
المحتويات
نزلت من غير ما يحس.
وأنا ما كنتش موجود
أم حسن
أنا اللي ربيتهم أنا اللي كنت أمهم وأبوهم وخبيت عليهم الحقيقة.
حسن رفع عينه على الأطفال لأول مرة يشوفهم بجد.
نفس العينين نفس الملامح
نسخة منه بس شايلة وجع سنين.
قام ببطء، وقرب منهم.
ركب على ركبته قدامهم، صوته مكسور
أنا أنا آسف.
محمود كان متردد بس سارة قالت بسرعة
آسف على إيه؟ إنك سيبتنا؟ ولا إنك ما كنتش عارف إننا موجودين أصلاً؟
الكلام كان جارح بس حقيقي.
حسن ما ردّش لأنه ما كانش عنده رد.
مد إيده بس سارة رجعت خطوة لورا.
محمود بص له وبعدين بص لأم حسن.
أم حسن قالت بهدوء
ده أبوكوا والقرار ليكوا.
اللحظة كانت تقيلة.
ثواني عدّت كأنها سنين.
وفجأة محمود قرب خطوة صغيرة وحط إيده في إيد حسن.
حسن دموعه زادت مسك إيده كأنه خايف تضيع.
سارة فضلت مكانها شوية وبعدين قالت
أنا مش مسامحة بسهولة.
حسن هز رأسه
وأنا مستعد أفضل أحاول طول عمري.
سارة بصّت له وبعدين قالت بهدوء
هنشوف.
أم حسن ابتسمت لأول مرة ابتسامة خفيفة، مليانة تعب بس فيها راحة.
البيت اللي كان هيقع
بدأ يتلم من تاني بس الحقيقة ما كانتش خلصت.
ويمكن البداية الحقيقية كانت لسه جاية.
الليل نزل على البيت تقيل.
حسن قاعد لوحده برّه، على عتبة الباب، سيجارة في إيده بتولع وتطفي، وعينيه تايهة في الضلمة.
جواه كان بيتكسر.
9 سنين
9 سنين كان فاكر نفسه بيبني
وطلع بيهدم حياة كاملة من غير ما يحس.
جواه صوت بيقوله
إنت السبب
وفجأة الباب اتفتح ورا ضهره.
سارة.
وقفت من غير ما تقرب، وقالت
إنت كنت عارف إن ماما ماتت؟
حسن لفّ لها بسرعة
لا والله ما كنت أعرف.
سارة سكتت لحظة وبعدين قالت
تيتة بتعيط كل ليلة.
الكلمة دخلت في قلبه زي سكينة.
من زمان؟
من يوم ما فهمت يعني إيه موت.
حسن ما قدرش يبص في عينيها.
سارة كملت
بس مش عشان ماما بس عشانك إنت كمان.
سكتت وبعدين أول مرة صوتها يهتز
كانت بتقول يا رب يرجع حتى لو متأخر.
حسن حس إن الأرض بتسحب من تحته.
وقبل ما يرد
صوت عربية وقف قدام البيت.
أنوارها ضربت الحيطة المتشققة.
حسن وقف، قلبه دق بسرعة
مين ده؟
أم حسن خرجت من جوه فجأة وشها شاحب.
همست
إدخلوا جوا بسرعة!
محمود اتوتر
في إيه يا تيتة؟
لكن أم حسن ما ردّتش كانت بتبص ناحية العربية بخوف واضح.
باب العربية اتفتح
ونزل راجل تقيل الجسم، ملامحه قاسية، وراه اتنين تانيين.
صوته عالي وهو بيقرب
يا أم حسن! خلصتي الفلوس ولا لسه؟!
حسن اتصدم
فلوس إيه؟!
أم حسن حاولت تسيطر على نفسها
خش جوا يا حسن دي مش بتاعتك.
لكن الراجل لمح حسن ووقف.
ابتسم ابتسامة مش مريحة
آه رجع الغايب.
قرب خطوة
يبقى الحساب بقى أسهل.
حسن وقف قدامه
حساب إيه؟!
الراجل رد ببرود
أمك واخدة فلوس كتير.
حسن لفّ لأمه
الكلام ده صح؟!
أم حسن ما ردّتش دموعها
الراجل كمل
9 سنين بتستلف عشان تربي العيال وإحنا صابرين بس الصبر ليه حدود.
حسن حس بالذنب بيخنقه.
كل جنيه هو كان بيكسبه برّه
كان ممكن ينقذهم.
صرّ على سنانه
كام؟
الراجل قال رقم خلا حسن يسكت.
رقم كبير أكبر من اللي معاه.
سارة خرجت فجأة ووقفت جنب حسن
إحنا مش هندفع حاجة!
الراجل ضحك
شوفي الجرأة!
وقرب منها لكن حسن وقف في وشه
لو قربت لها
الراجل بص له بتحدي
هتعمل إيه؟
ثواني توتر
وبعدين الراجل قال ببرود
معاك 3 أيام يا تدفع يا تاخد العيال وامك وتختفي من البيت ده لأنه بقى بتاعي.
وركب عربيته ومشي.
الصمت رجع بس المرة دي تقيل أكتر.
محمود كان بيترعش.
سارة مسكت إيد حسن لأول مرة بإرادتها.
وقالت بصوت واطي
إنت مش هتمشي تاني صح؟
حسن بص لها وبعدين بص للبيت ولأمه.
وقال بحسم
لا المرة دي مش همشي.
لكن الحقيقة
إن اللي جاي
كان أصعب بكتير من مجرد فلوس.
تاني يوم، حسن خرج من بدري.
رجع بعد ساعات وشه متغير.
أم حسن فهمت من نظرة واحدة
ما لقيتش حل صح؟
حسن سكت وبعدين قال
في حل بس مش سهل.
سارة قربت
إيه هو؟
حسن بلع ريقه
لازم نبيع الأرض
أم حسن صرخت
لا! دي آخر حاجة فاضلة!
حسن قال بهدوء موجوع
يا الأرض يا البيت يا إحنا.
سكتوا كلهم.
لكن فجأة
محمود قال
في حل تاني.
الكل بص له.
الولد الصغير فتح كشكوله القديم وطلع رسومات عربيات.
وقال
أنا رسمت عربية شبه اللي
حسن ابتسم رغم وجعه
وبعدين؟
محمود قال بثقة غريبة
إحنا مش فقراء إحنا بس لسه محدش شافنا.
الجملة سكتت الكل.
سارة بصّت لأخوها وبعدين لحسن.
وقالت
لو إحنا عيلة يبقى نحلها سوا.
حسن حس بحاجة عمره ما حسها قبل كده
مش بس مسؤولية
انتماء.
رفع عينه، وقال
تمام هنحارب.
والحرب دي
ما كانتش ضد الديون بس
كانت ضد الماضي
وضد الغلط
وضد كل حاجة كانت ممكن تكسرهم.
لكن المرة دي
ما كانش لوحده.
يتبع الحرب بدأت بس من غير سلاح.
تالت يوم قرب يخلص.
والراجل لسه ما رجعش بس الكل عارف إنه جاي.
البيت ساكت بس التوتر ماليه.
أم حسن قاعدة على السرير، ماسكة سبحتها وبتتمتم بدعاء مش بيخلص.
محمود قاعد في ركن، بيرسم بسرعة غير عادية كأنه بيهرب من الواقع.
سارة واقفة عند الشباك، عينيها في الشارع مستنية.
أما حسن
كان واقف في نص البيت، تايه.
معهوش فلوس كفاية.
ما ينفعش يبيع الأرض.
وما ينفعش يهرب.
يعني مفيش حل.
إلا لو
فجأة، عينه وقعت على رسومات محمود.
قرب مسك الكشكول وقلب الصفحات.
عربيات.
تصميمات غريبة جريئة مختلفة.
واحدة فيهم خلت حسن يثبت.
دي إيه؟
محمود رفع عينه
دي عربية نقل بس بتوفر بنزين أكتر.
حسن ركّز التفاصيل كانت دقيقة بشكل مش طبيعي لطفل.
قال بهمس
إنت عملت ده لوحدك؟
محمود هز راسه.
سارة دخلت في الكلام
هو طول اليوم كده بيرسم وبس.
حسن فجأة حس بحاجة
أمل.
بعد ساعة كان حسن برّه البيت.
ركب عربيته الجديدة ومشي بسرعة.
رجع قبل المغرب.
وشه كان مختلف فيه توتر بس فيه حاجة تانية
إصرار.
أم حسن قامت له
عملت إيه؟!
حسن قال بسرعة
كلمت واحد صاحبي شغال
متابعة القراءة