كل يوم جمعه
كل يوم جمعة، كنت ببعت لأهلي مبلغ ثابت.. لكن في اليوم اللي كسروا فيه قلب بنتي في عيد ميلادها، وقالوا لي بملء الفم عيلتك مش زي عيلة أخوكي، عرفت إني بقالي سنين بدفع تمن رفضي وجحودهم من قوت يومي....
يعني بالنسبة لكم، بنتي متساويش ولاد أخويا؟
السؤال طلع من بوقي هادي جداً، لدرجة إني مكنتش عارفة صوتي.. بس من جوايا، كان في حاجة بتتحطم، وعرفت إن المرة دي مفيش تصليح....
أنا اسمي سارة، عندي 27 سنة، عايشة في شبرا مع جوزي محمود وبنتنا ليلى، اللي كان عندها 5 سنين.
بقالى تلات سنين، كل يوم جمعة الساعة 9 الصبح، بعمل نفس التحويل البنكي.
2500 جنيه...كل أسبوع....لأبويا وأمي.
عمر ما التحويل اتأخر، ولا مرة نسيته. ساعات الفلوس دي كانت بتخرج من الحساب قبل ما أشتري خزين البيت، وقبل ما ندفع الإيجار، وقبل ما أقرر إذا كنا هنقدر نشتري جزمة جديدة لليلى ولا هتضطر تستحمل القديمة وتضيق على رجلها شوية كمان....
كنت بقول لنفسي دي فترة وهتعدي.. إن البنت الأصيلة لازم تشيل أهلها.. وإن لو أهلي محتاجين، مينفعش أديهم ضهري.
من سنين، أمي كلمتني وهي بتعيط، وقالت إن الديون حطمتهم، وإن شغل بابا في المحل قل خالص وممكن يسيبوا الشقة.. مسألتش كتير، ومديت إيدي باللي أقدر عليه.. وبعدين شوية بشوية، المبلغ زاد لحد ما بقى ال 10 آلاف جنيه في الشهر خناقة
انجي_الخطيب
ليلة في شهر أكتوبر، محمود كان قاعد على ترابيزة السفرة القديمة بيراجع الحسابات.. النور كان بيقيد ويطفي كالعادة، وصوت الشارع عالي، بس السكوت اللي في المطبخ كان أعلى.....
بص لي وقال بهدوء يا سارة، ناقصنا 1500 جنيه على الإيجار.. البنزين دفعناه بالفيزا، وقسط العربية الأسبوع الجاي.
صباعه وقف عند مبلغ التحويل الأسبوعي.
كنت عارفة النظرة دي.. مكنتش نظرة غضب، كانت نظرة تعب.
قلت بسرعة
هما محتاجين يا محمود.. أنت عارف الظروف.
تنهد ومسك إيدي والظروف صعبة علينا إحنا كمان.. إحنا عندنا ليلى.
وكأن ليلى سمعت اسمها، جريت في الصالة وهي بتضحك وبتهد مكعباتها.. شعرها المنكوش وبيجامتها اللي جايباها من التخفيضات، وفرحتها الصافية اللي عند الأطفال قبل ما يعرفوا إن الحب ممكن يكون له شروط....
قلت له هاخد شفتات زيادة في الكافيه.. صاحبة الشغل سألتني لو حد يقدر يغطي الويك إيند.
محمود مجادلش.. هو عارف إن أهلي بقالهم سنين بيعزفوا على أوتار الذنب جوايا بتمكن.
انجي_الخطيب
قبل عيد ميلاد ليلى ب 3 أسابيع، بدأت أخطط للحفلة بأقل ميزانية.. كانت عايزة حفلة أميرات، ومن كتر كلامها عنها، تحس إنها أهم حدث في التاريخ.
عملت لستة صغيرة
كيكة هعملها في البيت.
زينة رخيصة.
تيجان ورق هقصها بإيدي.
جيلي، وعصائر،
وطبعاً.. عزمت أهلي.
كلمت أمي قبلها بمدة يا ماما، عيد ميلاد ليلى السبت الجاي الساعة 2.. هتيجوا؟
قالت لي طبعاً يا بنتي.. قولي لها تيتة جايبة لك مفاجأة.
كلمتها تاني قبلها بيومين عشان آكد.. لقيتها اتضايقت
إحنا مش بننسى يا سارة، قلنا جايين يعني جايين.
انجي_الخطيب
قفلت وأنا حاسة إني قليلة الذوق إني شكيت فيهم.
يوم الحفلة كان جميل.. شمس أكتوبر الدافية كانت مغطية الشقة. صحيت بدري خبزت الكيكة، وبحلول الظهر كانت الصالة مليانة زينة بينك وموف.. ليلى لبست فستانها الموف الجديد اللي كان لقطة بالنسبة لنا.
لما شافت الصالة، عينيها لمعت
دي أجمل حفلة في العالم يا ماما!
محمود ابتسم دي لسه مبدأتش يا لولي.
قالت له مش مهم.. هي كده خلاص بقت أجمل حفلة.
المعازيم وصلوا في ميعادهم.. ضحك ولعب وتيجان ورق بتقع من على روس الأطفال..
بس كل شوية، ليلى كانت بتبص على الباب.
الساعة 230.. مفيش رسالة حتى من أهلي.
الساعة 300.. قطعنا التورتة من غيرهم.
الساعة 330.. الناس بدأت تمشي...
انجي_الخطيب
ولما الباب اتقفل ورا آخر طفل، بنتي قعدت على الكنبة بفستانها المكرمش، وحطت إيدها في حجرها، وعينيها حمراء من كتر ما حبست الدموع.
همست هما نسيوا عيد ميلادي؟
لا يا حبيبتي، أكيد في حاجة حصلت..
كررتها
الكلمة دي عملت فيا حاجة مش قادرة أشرحها..
لإني قضيت سنين ببرر لأهلي.. بدافع عنهم.. ببعت لهم فلوس إحنا أولى بيها.. بشتغل شفتات زيادة.. بخلي جوزي يشيل فوق طاقته.. وبقول لنفسي الأهل هما الأهل مهما حصل.
ودلوقتي بنتي الصغيرة قاعدة قدامي مكسورة القلب في عيد ميلادها الخامس، عشان نفس الناس اللي أنا بأنقذهم كل أسبوع، مكسلوش حتى يحضروا لها...
بالليل، بعد ما نيمنا ليلى، محمود كان رايح جاي في المطبخ وهو ضاغط على سنانه فضلت قاعدة قدام الشباك ساعتين.. سألتني لو كانت عملت حاجة غلط زعلتهم منها!
لأول مرة، مكنش عندي كلمة واحدة أقولها دفاعاً عنهم.
ولا كلمة...الساعة 9 إلا ربع بالليل، الموبايل رن..
كان بابا...ومكنتش أعرف إن المكالمة دي هي اللي هتهد كل اللي كنت فاكراه عن عيلتي.....!!!
اترددت لحظة قبل ما أرد قلبي كان بيخبط بسرعة غريبة، كأن المكالمة دي مش جاية من بابا بس، جاية شايلة وراها سنين كاملة من السكوت.
محمود كان واقف في المطبخ، بصلي من غير ما يتكلم بس عينيه كانت بتسأل سؤال واحد هتكملي في نفس الدايرة؟
بلعت ريقي وردّيت.
ألو
صوت بابا جه تقيل، مختلف مش زي العادة.
سارة انتي فين؟
استغربت السؤال. في بيتي يا بابا في إيه؟
سكت ثواني سكتة طويلة زيادة عن الطبيعي، وبعدين قال
ماما
جملة عادية بس