في صباح جنازة ابي

لمحة نيوز

في صباح جنازة أبي، قال المغسل إن المرحوم يرفض أن يترك ما في قبضة يده حتى بعد موته. ساد الصمت بين الحاضرين، لكن زوجي شحب وجهه فجأة وطلب منهم أن يتركوا القبضة كما هي ويكملوا تجهيز الجثمان. وقتها لم أفهم سبب خوفه من يد رجل فارق الحياة قبل ساعات، خصوصًا أنه كان يرفض منذ الصباح أن أراه للمرة الأخيرة.
وقفت خارج غرفة الغسل وأنا أضم عباءتي حول جسدي المرتجف. أسمع الهمسات تتصاعد في الداخل، بينما كان زوجي يكرر أن الوقت تأخر وأن علينا الإسراع في الدفن قبل صلاة العصر.
كنت أشعر أن شيئًا غير طبيعي يحدث منذ لحظة وصول خبر الوفاة.
كان البيت ممتلئًا بالأقارب.
رجال يدخلون ويخرجون.
نساء يقرأن القرآن بصوت منخفض.
وأكواب الشاي تتحرك بين الأيدي.
لكن وسط كل ذلك كنت أشعر وكأنني وحدي.
وكأن الجميع يعرف شيئًا لا أعرفه.
وصلني خبر وفاة أبي قبل الفجر بقليل.
أيقظني زوجي بنفسه.
كان واقفًا بجوار السرير.
وجهه شاحب.
وعيناه حمراوان.
قال إن أبي تعرض لأزمة قلبية مفاجئة أثناء الليل.
لم أستوعب ما قاله في البداية.
جلست أنظر إليه لثوانٍ طويلة.
أنتظر أن يخبرني أنها مزحة ثقيلة.
أو سوء فهم.
أو أن الطبيب أخطأ.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
خلال أقل من ساعة كنا في بيت أبي.
وكان الجثمان قد وصل بالفعل.
الأمر كله حدث بسرعة أربكتني.
سألت أكثر من مرة
من كان معه عندما تعب؟
ومن اتصل بالإسعاف؟


ومن أخذه إلى المستشفى؟
لكن الإجابات كانت تأتي ناقصة ومبهمة.
مرة يقولون إن أحد الجيران وجده.
ومرة يقولون إن قريبًا له أوصله.
وفي كل مرة كنت أحاول الاستفسار أكثر كان زوجي يقاطع الحديث.
ويطلب مني أن أهدأ.
وأن أركز على الدعاء للميت.
في البداية ظننت أنه يحاول حمايتي.
لكن مع مرور الساعات بدأت أشعر بشيء آخر.
كلما طلبت رؤية أبي كانوا يؤجلون الأمر.
وكلما اقتربت من الغرفة التي وُضع فيها الجثمان وجدت من يعترض طريقي.
مرة بحجة أن المغسل يعمل.
ومرة بحجة أن النساء لا يجب أن يدخلن الآن.
ومرة بحجة أن شكلي لا يحتمل صدمة رؤيته.
حتى بدأت أشعر أن أحدًا يتعمد إبعادي عنه.
وعندما سمعت كلام المغسل عن القبضة المغلقة ازداد ذلك الشعور أكثر.
خرج الرجل من غرفة الغُسل وهو يمسح جبينه، وقد بدت على وجهه علامات الحيرة.
وقال
رحم الله الحاج أبا زيد... لكن هناك أمرًا غريبًا.
اقترب منه الرجال على الفور.
فسأله أحدهم
ما الأمر؟
تنهد المغسِّل وقال
يده اليمنى منقبضة بشدة.
ساد الصمت بين الحاضرين.
ثم أضاف
حاولنا فتحها أكثر من مرة.
وتوقف لحظة قبل أن يقول
ويبدو أن بداخلها شيئًا.
في تلك اللحظة رأيت أمرًا لن أنساه ما حييت.
رأيت الخوف في وجه زوجي.
خوفًا حقيقيًا.
الخوف ذاته الذي يرتسم على وجه إنسان ينتظر انكشاف سرٍّ دفنه بيديه.
تقدم بخطوات سريعة.
وقال إن الأمر لا يستحق كل هذا
التأخير.
وأن المهم هو إتمام تجهيز الميت ودفنه.
لكن المغسِّل رفض.
وأكد أن تجهيز الجثمان لا بد أن يكتمل على الوجه الصحيح.
ومنذ تلك اللحظة بدأت الشكوك تتسلل إلى قلبي.
ليس بسبب القبضة وحدها.
بل بسبب سعد.
بسبب طريقته.
بسبب توتره.
وبسبب إصراره الغريب على إنهاء كل شيء على عجل.
وقفت قرب النافذة أحاول أن ألتقط أنفاسي.
وهنا تذكرت آخر ليلة رأيت فيها أبي حيًّا.
كنت قد زرته بعد صلاة المغرب.
وجلسنا وحدنا في فناء المنزل.
وكان يبدو أكثر إرهاقًا من المعتاد.
لكنه لم يشتكِ من شيء.
بل على العكس.
كان يتحدث وكأنه يريد أن يبوح لي بأمر مهم.
ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة.
وفجأة سألني
يا زينب... هل تثقين بكل من حولك؟
ابتسمت يومها وقلت
ولِمَ هذا السؤال يا أبي؟
لكنه لم يبتسم.
ظل ينظر إلى فنجان الشاي بين يديه طويلًا.
ثم قال
أحيانًا لا يكون أخطر الناس هم الغرباء... بل أولئك الذين يدخلون بيوتنا كل يوم.
شعرت بشيء من الغرابة.
فسألته عمّا يقصده.
لكنه غيّر الحديث على الفور.
وأخذ يتحدث عن أمور أخرى.
وعندما هممت بالمغادرة أمسك يدي.
وضغط عليها بقوة.
ثم قال
إذا حدث لي شيء مفاجئ... فلا تتعجلي في أي قرار.
نظرت إليه باستغراب وسألته
ماذا تعني يا أبي؟
لكنه اكتفى بالنظر إليّ.
ثم قال بهدوء
فقط تذكري كلامي.
في ذلك الوقت ظننت أنه يتحدث بدافع التعب أو القلق.
لكنني، وأنا أقف خارج
غرفة الغُسل، وأستمع إلى حديث المغسِّل عن القبضة المنغلقة، وأرى زوجي يراقب الساعة كل بضع دقائق، بدأت أشعر أن أبي كان يحاول أن يحذرني من شيء ما.
شيء بدأ قبل وفاته بوقت طويل.
شيء لم أكن أفهمه بعد.
لكنني لم أكن أعلم أن ذلك التحذير سيكون أول خيط يقودني إلى حقيقة جعلتني، بعد أيام قليلة فقط، أطلب بنفسي فتح تحقيق رسمي في وفاة أبي في تلك اللحظة، لم أعد أستطيع الوقوف مكتوفة اليدين.
اقتربت من باب غرفة الغُسل، لكن زوجي اعترض طريقي بسرعة غير طبيعية.
قال بصوت منخفض زينب... سيبيهم يخلصوا شغلهم.
نظرت إليه طويلًا.
كان يحاول أن يبدو هادئًا، لكن قطرات العرق على جبينه فضحته.
سألته إنت خايف من إيه؟
ارتبك للحظة ثم قال مش خايف... بس الوقت بيتأخر.
وقبل أن أرد عليه، خرج المغسل مرة أخرى.
وفي يده قطعة قماش صغيرة.
وقال فتحنا القبضة أخيرًا.
تجمد الجميع في أماكنهم.
أما أنا فشعرت أن قلبي توقف عن النبض.
رفع الرجل القماش ببطء.
وكان بداخلها...
مفتاح نحاسي قديم.
تبادل الحاضرون النظرات.
بعضهم تنفس بارتياح.
لكن زوجي ازداد شحوبًا.
ولم يفتني ذلك أبدًا.
سألت المغسل مفتاح إيه ده؟
هز رأسه وقال لا أعلم.
لكن عمي مصطفى، شقيق أبي الأكبر، حدق في المفتاح فجأة واتسعت عيناه.
ثم قال بصوت متحشرج
مستحيل...
التفت الجميع إليه.
فسألته تعرفه؟
ابتلع ريقه وقال ده مفتاح المخزن القديم.

ساد الصمت.
ذلك المخزن كان بناءً صغيرًا خلف أرض زراعية ورثها أبي عن جدي.
ظل مغلقًا سنوات طويلة.
حتى إنني نسيت وجوده أصلًا.
لكن أبي
تم نسخ الرابط