في صباح جنازة ابي

لمحة نيوز

مرتفع داخل غرفة الجلوس.
ظهر باب المنزل يُفتح ببطء.
ثم دخل رجل يحمل حقيبة صغيرة.
في البداية لم أميز ملامحه بسبب الظلام.
لكن عندما اقترب من الضوء، اتسعت عيناي.
لم يكن زوجي.
ولم يكن أحد أفراد العائلة.
بل كان محاميًا معروفًا في المنطقة، كان يتولى بعض إجراءات الأراضي والعقود منذ سنوات.
جلس مع أبي قرابة ساعة كاملة.
وكان الحديث بينهما مسجلًا بالصوت.
سمعنا أبي يقول بوضوح
أنا عرفت الحقيقة كلها، والأوراق المزورة دي لازم تتسلم للنيابة.
رد الرجل بتوتر
إنت بتكبر الموضوع يا حاج.
لكن أبي أجابه بحزم
حقوق الناس مش موضوع صغير.
انتهى
اللقاء وغادر الرجل المنزل.
ثم ظهر تسجيل آخر بعد ساعات قليلة.
كان أبي وحده في الغرفة.
يتحدث إلى الكاميرا.
قال إنه يشعر بتعب شديد منذ أيام، وإنه قرر حفظ الأدلة في أماكن مختلفة حتى لا تضيع.
ثم أوصى بتسليمها للجهات المختصة إذا حدث له أي مكروه.
بعد ذلك بدقائق انتهى التسجيل.
أعدنا مشاهدة كل الملفات أكثر من مرة.
ثم عرضناها على جهة التحقيق.
ومع مراجعة الأوراق والتسجيلات، انكشفت شبكة كاملة من تزوير العقود والاستيلاء على الأراضي.
تم استدعاء عدد من المتورطين والتحقيق معهم، وتبين أن أبي كان يجمع الأدلة منذ أشهر.
أما سبب وفاته،
فقد أثبت التقرير الطبي النهائي أنه توفي فعلًا بسبب أزمة قلبية حادة مفاجئة، ولم تكن هناك شبهة جنائية في الوفاة نفسها.
لكن خوف بعض الأشخاص لم يكن من سبب الوفاة.
بل من الأدلة التي تركها خلفه.
ولهذا حاولوا التعجيل بالدفن وإغلاق كل شيء قبل أن يكتشف أحد ما كان يحتفظ به.
أما زوجي، فكانت الحقيقة مختلفة تمامًا عما ظننته.
عندما واجهته، اعترف بأنه كان يعلم أن أبي يحتفظ بملفات مهمة، لكنه لم يكن يعرف محتواها بالكامل.
كان خائفًا من الدخول في مشاكل مع أصحاب النفوذ المتورطين في القضية، لذلك أراد إنهاء الجنازة بسرعة والابتعاد عن
أي تحقيقات.
أخطأ بخوفه وصمته، لكنه لم يكن جزءًا من الجريمة.
وبعد أشهر طويلة من التحقيقات، عادت أراضٍ كثيرة إلى أصحابها الحقيقيين.
وصدرت أحكام ضد عدد من المزورين.
أما أنا، فاحتفظت بالمفتاح النحاسي داخل صندوق صغير في غرفتي.
كلما نظرت إليه تذكرت أبي.
وتذكرت أن قبضته لم تنغلق على مفتاح مخزن فقط.
بل على أمانة أراد أن تصل إلى الحقيقة.
وفي الذكرى الأولى لرحيله، وقفت أمام قبره ووضعت يدي على شاهد القبر وهمست
اطمئن يا أبي... الرسالة وصلت.
وحركت الريح أوراق الأشجار من حولي في هدوء.
ولأول مرة منذ يوم وفاته...
شعرت أن السر الذي
حمله معه قد وجد أخيرًا طريقه إلى النور.

تم نسخ الرابط