في صباح جنازة ابي
المحتويات
لم يبع الأرض أبدًا رغم عشرات العروض التي تلقاها.
تقدمت نحوه بسرعة.
وإيه أهمية المخزن؟
نظر عمي نحو زوجي أولًا.
ثم قال
أبوك كان بيروح هناك مؤخرًا بشكل متكرر.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لأن أبي لم يخبرني بذلك.
أما زوجي فكان يشيح بوجهه بعيدًا.
وكأنه لا يريد سماع كلمة أخرى.
انتهت مراسم الدفن.
لكن المفتاح لم يفارق تفكيري.
وفي مساء اليوم نفسه، بينما كان المعزون يغادرون واحدًا تلو الآخر، دخلت غرفة أبي للمرة الأولى منذ وفاته.
كانت مرتبة بشكل غريب.
أكثر ترتيبًا مما اعتاد عليه.
وكأن أحدًا فتشها ثم أعاد كل شيء إلى مكانه.
فتحت الأدراج.
راجعت الأوراق.
ولم أجد شيئًا.
حتى لاحظت ورقة صغيرة عالقة خلف إطار صورة قديم.
سحبتها بحذر.
وكان مكتوبًا عليها بخط أبي
إذا وصل هذا المفتاح إلى زينب، فلتذهب إلى المخزن وحدها.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
وتحت الجملة مباشرة كتب
ولا تثق بأحد حتى تعرف الحقيقة.
أعدت قراءة الكلمات مرات عديدة.
وفي كل مرة كان اسم أبي يرن في أذني من جديد
إذا حدث لي شيء مفاجئ... فلا تتعجلي.
في صباح اليوم التالي، حملت المفتاح وانطلقت إلى الأرض الزراعية.
رفضت أن أخبر أحدًا.
حتى زوجي.
وصلت إلى المخزن بعد رحلة قصيرة.
كان الباب مغطى بالغبار.
وكأنه لم يُفتح منذ سنوات.
أدخلت المفتاح.
دار بسهولة.
وكأن أبي استخدمه قبل أيام فقط.
دفعت الباب ببطء.
فصدر صرير حاد وسط الصمت.
ودخلت.
كانت الغرفة شبه مظلمة.
لكن ما لفت انتباهي فورًا صندوق حديدي كبير في الزاوية.
اقتربت
وكان فوقه ظرف أبيض.
مكتوب عليه اسمي.
إلى ابنتي زينب.
ارتجفت يداي وأنا أفتحه.
وفي الداخل وجدت رسالة طويلة.
بدأت بعبارة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقي
يا ابنتي... إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني رحلت قبل أن أكمل ما اكتشفته.
وتحتها مباشرة...
قائمة بأسماء.
وتواريخ.
وصور لمستندات رسمية.
وأوراق تثبت أن مجموعة من الأشخاص كانت تحاول الاستيلاء على أرض كبيرة تخص أهل القرية باستعمال أوراق مزورة.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الأسماء.
بل في آخر اسم بالقائمة.
لأنني عرفته جيدًا.
ولأنه كان الشخص الذي ظهر في بيت أبي أكثر من أي أحد خلال الأشهر الأخيرة.
الشخص الذي كان يسأل باستمرار عن أوراق الأرض.
والشخص الذي اختفى فجأة منذ ليلة وفاة أبي.
وعندما سمعت صوته خارج المخزن ينادي باسمي بعد لحظات...
أدركت أن الحقيقة أخطر بكثير مما تخيلت.
وأن أبي لم يمت وفي يده مفتاح فقط...
بل ترك لي الدليل الذي كان مستعدًا أن يحارب من أجله حتى آخر لحظة من حياته.
يتبع...تجمدت في مكاني.
الصوت كان قريبًا جدًا.
قريبًا لدرجة أنني استطعت سماع وقع خطواته فوق التراب خارج المخزن.
أغلقت الرسالة بسرعة.
وأخفيتها داخل عباءتي.
ثم التفت نحو الباب.
ظهر رجل في الخمسينيات من عمره.
كان الحاج فؤاد.
أحد أصدقاء أبي القدامى.
الشخص نفسه الذي ورد اسمه في آخر القائمة.
نظر إليّ بدهشة وقال
زينب؟ إنتِ هنا؟
حاولت أن أبدو طبيعية.
لكن قلبي كان يخبط بعنف.
سألته
حضرتك بتعمل إيه هنا؟
تنهد
كنت جاي أشوف المخزن.
ثم توقفت عيناه عند الصندوق الحديدي.
وتغيرت ملامحه للحظة خاطفة.
لحظة قصيرة جدًا.
لكنها كانت كافية لألاحظها.
اقترب خطوة وقال
أبوك الله يرحمه كان محتفظ بحاجات قديمة هنا.
أجبته بهدوء
واضح كده.
ظل ينظر نحوي.
وكأنه يحاول معرفة ما إذا كنت قد وجدت شيئًا أم لا.
ثم ابتسم فجأة.
وقال
اقفلي المكان وارجعي البيت يا بنتي... الأيام دي مش وقت تعب.
وغادر.
لكن قبل أن يبتعد تمامًا رأيته يلتفت خلفه مرتين.
كأنه يريد التأكد من شيء.
انتظرت دقائق.
ثم عدت إلى الرسالة.
وأكملت قراءتها.
كان أبي يشرح بالتفصيل كيف اكتشف وجود شبكة تزوير عقود وأوراق ملكية.
أشخاص يستغلون جهل بعض الفلاحين بالقانون.
ويستولون على أراضٍ بأوراق مزيفة.
لكن السطر الأخير أوقف أنفاسي.
لقد سجلت كل شيء بالصوت والصورة.
حدقت في الكلمات.
ثم تابعت القراءة بسرعة.
والنسخة الأصلية ليست هنا.
شعرت بخيبة أمل.
لكن أبي أكمل
إذا حدث لي مكروه، فابحثي عن الساعة.
الساعة؟
أي ساعة؟
قلبت الأوراق كلها.
لكن لم أجد تفسيرًا.
وفي أسفل الرسالة كتب
الوقت سيكشف الحقيقة.
عدت إلى البيت وأنا أفكر.
أي ساعة يقصد؟
ساعة الحائط؟
ساعة اليد؟
ساعة قديمة؟
قضيت الليل كله أراجع ذكرياتي.
وفجأة تذكرت شيئًا.
في غرفة أبي كانت توجد ساعة حائط قديمة متوقفة منذ سنوات.
الغريب أن أبي رفض إصلاحها أو التخلص منها رغم إلحاح الجميع.
في الصباح ذهبت إلى الغرفة.
كانت الساعة لا تزال معلقة في مكانها.
نزعتها من الحائط.
كانت أثقل
فتحت الغطاء الخلفي بحذر.
وهنا...
شهقت بقوة.
كان هناك تجويف صغير مخفي.
وبداخله وحدة تخزين إلكترونية صغيرة.
أمسكتها بيد مرتجفة.
وأسرعت إلى منزل ابن عمي سامر، لأنه يعمل في الحاسوب.
وصلت إليه وطلبت منه تشغيل الملفات فورًا.
أدخل وحدة التخزين في الجهاز.
ظهرت عشرات الملفات.
صور.
عقود.
تسجيلات.
ومقاطع فيديو.
بدأنا تشغيل أول مقطع.
ظهر أبي جالسًا أمام الكاميرا.
كان يبدو متعبًا.
لكنه ثابت النظرات.
وقال
إذا شاهدتم هذا التسجيل، فهذا يعني أنني لم أتمكن من تسليم الأدلة بنفسي.
ثم بدأ يسرد أسماء المتورطين.
واحدًا تلو الآخر.
وفجأة...
توقف سامر عن التنفس تقريبًا.
وأوقف الفيديو.
نظرت إليه باستغراب.
كان يحدق في الشاشة بوجه شاحب.
قلت
في إيه؟
رفع يده المرتجفة نحو الشاشة.
وقال
ارجعي ثانية...
أعدت المقطع.
وفي الخلفية...
خلف أبي مباشرة...
انعكس وجه شخص على زجاج النافذة.
شخص لم يكن يفترض أن يكون هناك أصلًا.
شخص كان يستمع لكل كلمة قالها أبي.
وعندما كبرنا الصورة...
عرفته فورًا.
لأنه كان من أوائل من وصلوا بيتنا يوم إعلان الوفاة.
وكان أكثر شخص يصر على أن سبب الوفاة مجرد أزمة قلبية طبيعية.
وعندها فقط...
فهمت لماذا كان هناك من يريد دفن أبي بسرعة.
ولماذا خاف البعض من المفتاح.
ولماذا حاولوا إبعادي عن الجثمان.
لكن الصدمة الأكبر كانت ما اكتشفناه بعد دقائق.
لأن آخر ملف في وحدة التخزين كان يحمل عنوانًا واحدًا فقط
ليلة الوفاة.
وعندما ضغط سامر على تشغيله...
ظهر
ثم دخل شخص يحمل شيئًا في يده.
شخص أعرفه جيدًا جدًا.
يتبع...ضغط سامر على زر التشغيل، وبدأ المقطع يهتز قليلًا كما لو أن الكاميرا كانت مخفية في مكان
متابعة القراءة