رماني في الثلج بقلم الهواري

لمحة نيوز

رماني في التلج عشان مابخلفش.. وقالي إنتي حتة مكنة باظت.. فجأة ظهر زين بيه ووشوشني تعالي معايا!
التلج كان نازل تقيل أوي الليلة دي، لدرجة إنه بلع صوت العربيات في الشارع، وخلى كشافات النور زي خيالات باهتة. نورا، البنت اللي عندها 28 سنة، كانت قاعدة بتترعش في موقف ميكروباصات، لابسة فستان خفيف ومستخبية في ركن. كل حياتها كانت متلخصة في شنطة جلد قديمة.. غيارين، صورتين، وورقة طلاق لسه حبرها منشفش من إيد جوزها.
من تلات ساعات بالظبط، محمود رماها بره البيت زي البضاعة المعيوبة، وقالهالها في وشها بكل جبروت إنتي مابتحبليش.. إنتي حتة مكنة وبوظت.. مالكيش لزمة عندي! وبكل بساطة، تلات سنين جواز بقوا مجرد ورق قانوني وست بتتجمّد في الشارع، ومكسوفة تطلب مساعدة من حد.
وفجأة، فيه خطوات وقفت قدام الموقف.
راجل طويل، لابس بالطو كحلي شيك، وواقف جنبه تلات أطفال متدفيين في لبسهم، وعينيهم كلها قلق. البنت الصغيرة شدت كم بالطو أبوها ووشوشته بابا.. دي بتترعش من السقعة!
الراجل نزل لمستواها عشان ميخوفهاش.. وقال بصوت حنين جداً أنا اسمي زين السيوفي.. أنتي مستنية حد؟ نورا هزت راسها ب أيوه رغم إن الموقف كان فضي تماماً. زين مكدبهاش، بس بص لإيدها اللي بتترعش وللشنطة اللي تحت رجليها،

وخد قراره في ثانية.
تعالي معايا، قالها بهدوء، الليلة دي بس.. اتدفي، وكلي لقمة، وبعدين قرري هتعملي إيه الصبح.
نورا كانت عايزة ترفض.. مفيش غريب بيعمل كدة في الحقيقة، ولا في عز العاصفة دي، وأكيد فيه إنّ في الموضوع. بس نظرة الأطفال ليها كانت مليانة براءة وطيبة، خلتها تفتكر إن لسه فيه خير في الدنيا ومبقتش غابة لسه.
مشت وراهم في وسط التلج.. وهي مكنتش تعرف إن الأب السنجل ده مش بس راجل طيب، ده أرمل، ورئيس مجلس إدارة شركات السيوفي، وأب لتلات أطفال بالتبني لسه بيعانوا من فقدان أمهم.. ودخولها بيتهم المكسور ده هو اللي هيرجع الروح للمكان كله.
تفتكروا محمود طليقها هيعمل إيه لما يشوف نورا تاني وهي هانم في قصر السيوفي؟ وهل نورا هتقدر وترد له الصاع صاعين؟
نورا كانت ماشية وسط التلج وهي حاسة إن كل خطوة بتبعدها عن حياتها القديمة.. مش بس عن محمود، لكن عن النسخة الضعيفة اللي كانت بتخاف حتى ترفع عينها في الناس.
العربية السودا الكبيرة وقفت قدام بوابة حديد ضخمة، نورا رفعت عينيها بانبهار وهي شايفة القصر اللي كأنه طالع من فيلم. إضاءة دافية، جنينة متغطية بخضار مخنوق من التلج، وباب بيتفتح تلقائي أول ما زين قرب.
اتفضلي.. قالها بهدوء، كأنه بيطمنها إن مفيش فخ.
أول ما
دخلت، الدفا لفّ جسمها فجأة، وعيونها دمعت من الفرق بين البرد اللي كانت فيه، وبين الأمان اللي مش متعودة عليه. الأطفال جريوا على سلم كبير، وضحكهم كسر الصمت اللي في المكان.
لكن نورا وقفت مكانها.
حاسّة إنها مش في مكانها.
أنا.. أنا ممكن أمشي لو ده فيه أي مشكلة.. قالتها بصوت مكسور.
زين لف ناحيتها بسرعة، لأول مرة ملامحه تهدى شوية وتبقى أقرب للإنسان مش الراجل القوي اللي بيخوف.
إنتي مش ضيفة تقيلة.. وإنتي مش هنا صدفة.
سكت لحظة، وبص لها كأنه شايف فيها حاجة هي نفسها مش شايفاها.
إنتي محتاجة تقفي على رجلك تاني.. مش أكتر.
في اللحظة دي، واحدة من الخدم دخلت بسرعة، وبنبرة متوترة قالت بيه.. في خبر مهم.. محمود الشناوي بيدوّر عليها في كل مكان، وبيسأل عن ست خرجت من بيته النهاردة..
نورا اتجمدت.
اسمها اتقال برا البيت ده.
يعني حتى هنا مفيش أمان كامل.
زين بص لها نظرة مختلفة.. نظرة حد قرر قرار مش هيرجع فيه.
خليه يدور قالها بهدوء مخيف. بس من دلوقتي.. نورا مش لوحدها تاني.
وفي نفس اللحظة، في مكان تاني بعيد، محمود كان ماسك موبايله بيصرخ أنا عايز مراتي.. حتى لو هترجع غصب عنها!
بس اللي ما يعرفوش إن الست اللي رماها في الشارع، بدأت تولد من جديد في مكان تاني خالص مكان مش
هيقدر يوصل له بسهولة.
ونورا لأول مرة من سنين، حست إن خوفها بدأ يتحول لشيء أخطر
قرار.
قرار إنها مش هترجع ضعيفة تاني في صباح اليوم التالي
نورا صحيت على إحساس غريب. مش برد ولا خوف لأول مرة كانت حاسة إنها صاحية بجد، كأن عقلها بدأ يفوق من كابوس طويل كان مكمل سنين.
فتحت عينيها ببطء، لقت نفسها في أوضة واسعة، ستايرها تقيلة، وريحة نظافة وعود خفيف مالي المكان. مش سريرها القديم اللي كانت بتصحى فيه على صوت الإهانة.
قامت قعدة بسرعة كأنها فاكرة إنها بتحلم، وبصت حواليها بارتباك.
أنا فين؟
خبط خفيف على الباب.
ينفع أدخل؟
صوت زين.
نورا اتلخبطت أكتر، وبصت لنفسها بسرعة وعدّلت الطرحة اللي كانت لابساها.
اتفضل
الباب اتفتح بهدوء، وزين دخل، ماسك كوب قهوة في إيده، وبهدوء قال قولت يمكن تكوني جعانة أو محتاجة حاجة.
حط الكوب على الترابيزة جنب السرير، وبصلها نظرة ثابتة، مش فيها ضغط لكن فيها احترام غريب.
البيت هنا مش سجن يا نورا. تقدري تمشي إمتى ما تحبي. بس قبل ما تمشي لازم تفهمي إن اللي حصل امبارح مش صدفة.
نورا ضحكت ضحكة صغيرة مريرة مش صدفة؟ يعني إيه؟ أنا واحدة مرمية من جوزي في الشارع مفيش أكتر من كده إهانة.
زين سكت ثواني، وبعدين قال فيه أكتر.
قرب خطوة واحدة بس، وقال
بصوت أخفض أنا عارف محمود الشناوي.
الكلمة وقعت
تم نسخ الرابط