شغل خدامه بقلم زيزي
هو بيشغّل خدامة من غير ما يعرف إنها بنته اللي سابها من 30 سنة!
هو كان فاكر إنه بس بيعيّن خدامة جديدة، عمره ما تخيّل إن الست الشابة اللي هيفتح لها باب بيته شايلة معاها ماضي هو دفنه من 30 سنة، ماضي كان فاكر إنه اختفى للأبد. الزمن ما بيمسحش الغلطات هو بس بيخبيها لحد ما ييجي الوقت اللي ترجع فيه تاني.
أول ما عينيهم اتقابلت، حسّ الأستاذ كمال بشدّة غريبة في صدره. إحساس مش مفهوم، كأنه بيسمع أغنية قديمة سمعها وهو صغير ومش قادر يفتكر اسمها. اللي هو ما كانش يعرفه، واللي مستحيل كان يتخيله، إن البنت اللي واقفة قدامه دي هي بنته هو البنت اللي سابها قبل ما تتولد، واللي عمره ما دور عليها ولا فكر فيها.
الصبح كان هادي في فيلا الأستاذ كمال الكبيرة. كان قاعد في مكتبه، اللي مفتوح على الصالة، بيقرأ في أوراق كتير بنفس التركيز اللي متعود عليه كل يوم. قهوته كانت على طرف المكتب وبتبرد ببطء، وهو ما كانش واخد باله منها خالص.
الأستاذ كمال كان عنده 61 سنة. طويل، شعره بدأ يشيب، ضهره مستقيم، وعنيه حادة وبتلاحظ كل حاجة. أسس شركته كمال وشركاه للمقاولات من الصفر بعد سنين شغل وتعب. كان محترم في البلد، والناس بتناديه يا بيه من غير ما يطلب. كان عايش لوحده في بيت كبير وفخم، وغالبًا
خبط خفيف على باب المكتب. رفع عينه. كانت سعاد، مديرة البيت عنده من 5 سنين. واقفة بملابس الشغل، إيديها متجمعين قدامها، وابتسامتها المعتادة موجودة، بس النهارده فيها توتر واضح.
قالت بهدوء
حضرتك ممكن أتكلم معاك شوية؟
رد طبعًا يا سعاد. ادخلي واقعدي.
دخلت وقعدت، وحطت إيديها على ركبها وهي مترددة. كان واضح إنها مجهزة كلامها ومش عارفة تبدأ منين. هو سكت واستنى.
بعد لحظة، أخدت نفس وقالت
حضرتك أنا قررت أسيب الشغل هنا.
الكلام وقع تقيل. هو بص لها بهدوء شوية.
تسيبي الشغل؟ يا سعاد، أنا عملتِ حاجة غلط؟ في مشكلة ما قولتيش عليها؟
هزت راسها بسرعة وقالت بابتسامة فيها أمل
لأ خالص يا سيدي، بالعكس تمامًا. أنا بقالى سنين بوفّر فلوس شوية شوية، والسبوع اللي فات دخلت برنامج تدريب. كان حلمي من زمان إني أبقى مُقدّمة رعاية معتمدة عايزة حاجة أحسن في حياتي، حاجة ثابتة ومفيدة. وحاسة إني جاهزة دلوقتي.
سكت لحظة. وبعدها ملامحه هديت شوية وقال
أنا بصراحة ما توقعتش ده بس فاهمك، وفخور بيكي كمان.
عينها لمعت وقالت
شكرًا يا بيه حضرتك دايمًا كنت عادل معايا، والفلوس دي كانت السبب إني أوصل لكده.
هو أشار بإيده كأنه مش عايز مجاملات، بس كان واضح إنه متأثر. وقال
هتوحشيني
سعاد كانت مستنية اللحظة دي. وقالت بسرعة
أنا فاهمة وعشان كده جهزت لك حل.
وقالت
في بنت أنا أعرفها من زمان، كانت جارتنا في الحتة القديمة. بنت محترمة وشغّالة بجد وهادية وبتدور على شغل ثابت. أقدر أجيبها بكرة الصبح تعرّفها عليك.
الأستاذ كمال ضيّق عينه شوية، مش شك، لكن تفكير. وقال
يعني مش مجرد حد قابلتيه مرة ولا اتنين؟
ردت
لأ، أعرفها بجد. وكلمتها امبارح، وهي موافقة تيجي. لو حضرتك موافق، أجيبها بكرة الصبح وأعرّفها بنفسها الأستاذ كمال سكت لحظة أطول من المعتاد.
عينه كانت ثابتة على سعاد، بس دماغه مش معاها بالكامل كان في إحساس غريب بيخبط في صدره من غير سبب واضح. إحساس شبه القلق، شبه الحنين، شبه حاجة اتدفنت زمان وبتتحرك تاني تحت التراب.
قال بهدوء طيب وإيه اسم البنت دي؟
سعاد اترددت ثانية واحدة، كأنها بتحسب الكلمة قبل ما تطلعها اسمها ندى.
الكلمة وقعت جوّه الأوضة زي حجر اتحدف في ميه ساكنة.
كمال ما تحركش في الأول، بس حاجبه ارتفع سنة صغيرة جدًا. الاسم كان عادي بس الإحساس اللي جواه فجأة بقى أعلى. شدّة غريبة في قلبه، كأن الاسم ده مش أول مرة يتقال قدامه، كأن في مكان بعيد في ذاكرته بيحاول يفتح باب مقفول من سنين.
قال ندى اسم
بس صوته كان أهدى من اللازم.
سعاد ابتسمت بسرعة كأنها ارتاحت هي بكرة الصبح هتيجي، ولو حبيت حضرتك تشوفها وتكلمها بنفسك.
هز رأسه ماشي خليها تيجي.
لكن أول ما سعاد خرجت، كمال فضل قاعد مكانه.
بص للورق اللي قدامه، لكن عينه ما كانتش شايفة أي حاجة. القلم اللي في إيده اتساب على المكتب بهدوء، وظهره مال سنة بسيطة لأول مرة كأنه فقد جزء من ثباته المعتاد.
همس لنفسه ندى
ورجع سكت.
في صباح تاني، الشمس داخلة من شبابيك الفيلا الكبيرة بخفة غير معتادة، كأن اليوم نفسه مستني حاجة تحصل.
الجرس رن.
الخادمة فتحت البوابة، وبعد لحظات، دخلت بنت في أول العشرينات تقريبًا. بسيطة المظهر، هادية الملامح، شنطة صغيرة في إيدها، وعينيها بتلف حوالين المكان بحذر مش خوف لكن كأنها بتقيس الدنيا اللي داخلة عليها.
كانت ندى.
خطواتها كانت ثابتة، بس قلبها كان بيخبط بسرعة من جوا.
ده الشغل الجديد لازم أثبت نفسي قالتها في سرها.
دخلت الصالة الكبيرة، وسعاد كانت في استقبالها، ابتسامة مطمّنة تعالي يا ندى الأستاذ كمال مستنيكي.
اسم كمال مرّ على ودانها عادي لحد ما طلعت على السلم خطوتين وشافته.
في نفس اللحظة اللي كمال نزل فيها من مكتبه.
الاتنين وقفوا قدام بعض.
ثانية.
ثانيتين.
بس الزمن بينهم اتكسر.
كمال وقف مكانه فجأة.
مش بس لأنه شايف بنت