رواية شمس
إستعدادا لإثمار براعمها فى الربيع
فى كل الأزمان وبمختلف الأساطير كثرت الأقاويل عن ديسمبر حيث قيل أن فيه تنتهى الاحلام
وقيل أيضا أنه
شهر الوقوع فى الحب
وكثيرا ماسمعنا عن تلك الأسطورة الشهيرة التى تقول أن الغائب الأحب لقلبك سيعود إليك فى أحد أيام ديسمبر
ترى أيهما سيتحقق هذا العام ! ولمن !
جلست بإستقامة أعلى مقعد مرآتها العاجى المريح تضع أحمر الشفاه خاصتها ذات الدرجة الحمراء الصاړخة عكس تلك الدرجه الهادئة التى أعتادتها من قبل حيث أبرز ملامحها الأنثوية خاصة مع خصلات شعرها السوداء الطويلة المتهدلة بعشوائية مرتبة حول وجهها الصغير
لثوان ظهرت تلك اللمعة بداخل عسليتيها التى برز لونهما أكثر عقب إحاطتهما بمحدد العيون باللون الأسود أعلى جفنيها وأسفل مقلتيها
أبتسمت وهى تتأمل إطلالتها الجديدة قبل أن يطبع هو قبلة صغيرة أعلى إحدى كتفيها قائلا
إيه الجمال ده ياحبيبتى
لم تجيبه بل تطلعت إلى مرآتها بغرورو بينما هو أردف أثناء توجهه إلى غرفة تبديل الملابس بعد ان ألقى نظرة سريعة على ملابس نومها الناعمة
مش سقعانة
أتسعت إبتسامتها دون أن تلتفت إليه منشغلة بوضع عطرها القوى قائلة
متقلقش ياحبيبى الدفاية شغالة
ثم اضافت متسائلة
إيه خلاص هتنزل
أجابها من أسفل منشفة وجهه قبل أن يتركها جانبا
يادوب
تحركت من مقعدها لتظهر بجسدها الممشوق المزين بشعيراتها المتناثرة والتى غطت أكثر من نصف ظهرها الشبه عارى متوجهة إلى المدفأة الكهربائية تغلقها وهى تتسائل أثناء إرتدائها روب المنزل خاصتها من القطيفة الناعمة
هتتأخر
ثم أضافت مردفة بنبرة ذات معنى وهى تتجه إليه بغرفة تبديل الملابس
يارا عند ماما النهاردة
قبلها قبله سريعة أعلى وجنتها وهو يقوم بإرتداء بنطاله غير مدرك ماترمى إليه
تحبى أوصلك فى طريقى وأعدى عليكم وأنا راجع ولا أجيبها أنا
ساعدته شمس فى إرتداء قميصه قائلة بدلال
مستعجل ليه هو أنت زهقت منى ولا إيه !
حاوطها بذراعيه ليقربها إليه قائلا
بصراحة مش عارف أزهق منك خصوصا باللوك الجديد ده
أفلتت من بين ذراعيه بنعومة قبل أن تجيبه غامزة
بتحب أنت اللوك ده صح
ثبت عدستاه عليها بعد أن توجهت إلى مرآتها من جديد تتطلع إلى وجهها بشغف ليعلق أثناء إستكماله لإرتداء ملابسه
تحبى أرجع بدرى ونسهر النهاردة سوا
أقتربت منه من جديد تساعده على إحكام ربطه عنقه قائله بهمس
أنت مش النهارده عندك معاد مع دار النشر متأخر عشان تشوف غلاف روايتك الجديدة قبل ما تنزل ولا إيه ده خلاص فاضل أقل من شهر ولازم يبدأوا الدعايا
أغمض عينيه مستنشقا رائحة عطرها الآخاذ أثناء أستماعه لهمسها قبل أن يجيبها بضعف
هخليهم يبعتوه واتساب وأتفق معاهم بالتليفون
قبل أن تقول
متقلقش ياحبيبى أسبوع واحد بس وأكون مخلصاها
أسند جبهته أعلى جبهتها متمتما
مش قلقان خالص خصوصا بعد ماعقلتى وأقتنعتى تبقى فى
بيتك ورا جوزك
أبتسمت برقه مجيبه
طبعا ياحبيبى أنا مليش غيرك
أنحنى بجزعه العلوى قبل أن يقوم برفع وجهها بأطراف أنامله راغبا فى تقبيلها وهو يقول
برافو عليكى
لكن قبل أن تتماس الشفتان أرتفع رنين باب المنزل فأبتعدت شمس عنه معلقة بإستغراب
إيه ده مين أنت مستنى حد
ربت مصطفى على كتفها مطمأنا أثناء ارتداؤه سترته
تلاقيه البواب هروح أشوف عاوز إيه
أوقفته شمس بعد أن أمسكته من أطراف أصابعه قائلة برقة وهى تخرج ذلك المنديل القماشى بداخل الجيب العلوى لسترته وتربت به على جانب شفتيه
أستنى فى هنا روج
أنتظر هو عدة لحظات يتأمل زوجته بإعجاب حتى تنتهى من إخفاء ذلك الأثر لكن تتابع إرتفاع الرنين بشكل مزعج مما أجبره على مقاومة تأمله و التوجه إلى الخارج قائلا بصوت أشبه للصياح
مين الحيوان اللى بيخبط بالطريقة دى
لم يكد يتم جملته حتى قام بفتح الباب ليفاجىء بذلك الوجه الذى نجح فى تناسيه طوال أشهر الرخاء الفائته عقب تخلصه منه أو هذا ماظنه
خطى بضع خطوات للخارج مستخدما جسده العريض وبنيته الطويلة كحاجز يمنع تلك الزائرة من الدخول ويحجب عن زوجته معرفة هويه الطارق ليقول بلهجة أشبه للهمس الغاضب
انتى إيه اللى جابك هنا تانى
أجابته بإستخفاف
وأنت فاكر أنك باللى عملته خلصت منى
ألتفت إلى الوراء عدة مرات يتأكد من إلتزام شمس بغرفتها قبل أن يجيبها
أنتى الظاهر الذوق مش نافع معاكى
نظرت إليه بتحد ليرتفع صوتها عقب إحساسها بتوتره قائله
المرادى مش همشى من هنا إلا بعد ماحرمك المصون والعمارة كلها يعرفوا حقيقة الكاتب العظيم حرامى الروايات اللى مبيعرفش ي
أسرع مصطفى بوضع كفه أعلى فمها مهددا
أنتى لو مسكتيش ووطيتى صوتك دلوقتى ھدفنك مكانك هنا
تعالى صوت شمس من الداخل مشرأبة بوجهها الصغير إلى باب المنزل متسائلة
مين يامصطفى
أجابها مصطفى بإرتباك
البواب ياحبيبتى أنا نازل بقى عشان اتأخرت
لم ينتظر جوابها بل غادر سريعا مغلقا باب المنزل من ورائه بعد أن ألتقط معطفه الصوفى المعلق بجوار الباب ثم أجتذب تلك الزائرة من ذراعها إلى الطابق السفلى قائلا بخفوت
أمشى من هنا حالا
أجابته آلاء بتصميم
مش ماشية إلا لما أفضحك ومش هنا بس لا فى كل حتة الجرايد والنت ومعرض الكتاب اللى بعد كام أسبوع ده ياترى المرادى بقى سارق رواية مين ومنزلها بأسمك
حاول مصطفى السيطره على أعصابه قبل أن يجيبها پغضب مكتوم
انتى عاوزه إيه دلوقتى
أقتربت منه آلاء قائله بلهجة أشبه للرجاء
عاوزة أتكلم معاك شوية حتى لو ربع ساعة بس
مسح مصطفى وجهه بكفه مفكرا قبل أن يتخذ قراره وهو ينظر إلى الطابق العلوى حيث زوجته قائلا بتأفف
أتفضلى قدامى خلينا نخلص
رافقته آلاء إلى سيارته وجلست بجواره بينما هو تطلع إلى نافذة منزله عدة مرات ليتأكد من عدم تواجد شمس بها قبل أن ينطلق بسرعة قائلا بضيق
أتكلمى أنا سامعك
قامت آلاء بتشغيل إحدى الأغانى الرومانسيه بهاتفها قبل ان تجيبه
هنتكلم هنا فى العربيه لا تعالى نروح أى مكان هادى أطلع
على المقطم
قطب مابين حاجبيه بإستغراب قبل أن تقفز تلك الإبتسامه الخبيثة أعلى شفتيه والتى صاحبتها لمعة غير مبررة داخل مقلتيه قائلا بإعتراض مصطنع محافظا على نبرة الضيق المصاحبة لكلماته
المقطم !! بس الساعه داخلة على ١ المقطم مشواره بعيد وأنا مش فاضيلك
ثم اضاف بمكر مراقبا عيناها فى مرآته
وبعدين هتقولى لأهلك إيه لما ترجعيلهم بعد نص الليل
أجابته بسخرية بعد أن أخفضت صوت هاتفها
عاوز تقنعنى أنك خاېف عليا عموما متقلقش قايلالهم هبقى مع واحده صحبتى
إزدادت أبتسامته خبثا وهو يردد
إذا كان كده يبقى نطلع على المقطم عشان ناخد راحتنا فى الكلام
أحكم مصطفى إغلاق أزرار معطفه الصوفى قبل أن يقوم بتغير وجهته إلى حيث أرادت وأراد هو أيضا
أمضت شمس أمسيتها فى كتابة ماتبقى من روايتها كعادتها كل ليلة عقب خروجه حيث سيطر عليها هذا الحماس لإنهائها بعد تدفق الكلمات على رأسها بطريقة لم تعهدها هى من قبل
إنه ذلك الحماس الذى يراودها عندما يخيم الصمت على الأنحناء من حولها وتتقافز حبات المطر بعشوائية على زجاج نافذتها مصدرة ذلك القرع الخفيف كطائر ينقر بطرف منقاره بحثا عن الطعام جلست أعلى فراشها متلحفة بغطائها الناعم يغطى نصفها السفلى حيث ساقيها ممدتتين
بإرتياح بينما جزعها العلوى يستند على ظهر الفراش متلذذ بذلك الدفىء المنبعث من المدفأة الكهربائيه بجوارها بالإضافة إلى حرارة أبخرة مشروبها الساخن الغير مرئية والموضوع أعلى الكمود بجوارها حيث أمتدت أصابعها إليه كل فتره تقربه إليها كى ترتشف منه عدة رشفات تزيد من دفئ معدتها الخالية
كادت أصابعها تخطىء هدفها فى إحدى المرات عندما فشلت فى إيجاد كوبها الموضوع على حافة الكمود بفعل ذلك الظلام المسيطر على الغرفة والذى أعتادته فى الفترة الأخيرة كى تستطيع الإنغماس فى أحداث روايتها حيث أتخذت كلماتها مسارا غامضا أكثر منه رومانسيا لتتطور تلك الفكرة بداخل رأسها وتزداد عمقا أثناء توغلها بها أكثر فى كل فصل جديد تقوم بكتابته
الليلة
هاهى تخط أولى كلمات بداية فصل النهاية وتقوم بتنميقه كلوحة فنية أرادت خروجها فى أدق صورة لها خاصة بعد أن أمضت أيام وليال تفكر فى تلك النهاية التى لابد لها وأن تخلو من أى أخطاء ملحوظة كى تستطيع تحقيق النجاح المنشود
مرت الساعات دون أن تشعر بها وهى بداخل غرفتها المظلمة إلا من ضوء هاتفها الذى سلطت عليه عيناها بإنتباه شديد ولم تزحزحهما عنه إلا بعد وضع الكلمات الأخيرة لنهايتها واتبعتهما بجمله تم بحمد الله
لاحت إبتسامة الإنتصار على شفتيها وتسمرت عدستيها على إنعكاس بريق عينيها أعلى المرآه المقابلة لها قبل أن تقوم بإغلاق هاتفها ويتفشى الظلام المطبق بعد أن أزداد ليل الشتاء عتمة وأشتد سواده وتتابعت طرقات حبات المطر بصورة أشد وأسرع معلنة عن بدىء عاصفة أونوة جديدة من نوات الشتاء الباردة
أمتدت أصابعها إلى زر وحدة الإضاءة بجوارها تقوم بتشغيلها عندما ألتقطت أذناها صوت إغلاق باب المنزل فغادرت فراشها وأرتدت الروب الشتوى خاصتها وخفها المنزلى الناعم قبل أن تتوجه إلى الخارج قائلة بحذر
مصطفى أنت هنا !
أضائت المصباح الخارجى وثبتت نظراتها على باب المنزل حيث رأته
هالها تلك الحالة الرثة التى كان عليها حيث أبتلت شعيراته بشكل كامل وأتخذت حبات المطر المتساقطه من أطرافها
أقتربت منه ببطىء متسائلة بقلق
مصطفى أنت كويس إيه اللى
لكن أستوقفها إتساخ نهايات معطفه الذى يعتز به وأطراف أكمامه التى تحولت بشكل جلى من اللون الرمادى إلى الأسود يعلوه الكثير من البقع
الطينيه والتى تكونت بفعل إختلاطها بحبات المطر الغزير بينما فى بعض الأماكن التى لم تصل إليها المياة ظهرت ذرات التراب بصورة واضحة وكأنه تعثر فى طريقه أو وقع بداخل إحدى الحفر الطينية
علت علامات الدهشة وجه شمس وهى تتأمل حالته تلك قائلة
إيه اللى حصل أنت وقعت
لم يجيبها ولم تتغير معالم وجهه الزجاجية المسلطة عليها إلى أن نادته هى من جديد بصوت أعلى
مصطفى
أفاق من شروده ليبدأ بإستيعاب الأمر حيث علت علامات الفزع وجهه متسائلا
بتقولى إيه
شمس بإستغراب مشيرة إلى ملابسه
إيه اللى بهدل هدومك كده
مصطفى مفكرا بتوتر
أبدا العربيه أتعطلت وكنت بحاول أصلحها وأتوسخت
شمس بعدم إقتناع
بس
اللى على هدومك ده تراب وطين مش شحم عربية
أزدرد مصطفى لعابه وهو يتأمل ملابسه قبل أن يجيبها بأحرف متقطعه
آه آه ماهو الدنيا كانت ضلمه وأنا رايح أصلحها أتكعبلت ووقعت وبعد كده المطر بدأ ف
حاول التماسك والظهور بالثبات حين أضاف بضيق
إيه هو تحقيق
لكن بعكس ماأراد خرجت كلماته متقطعة مرتعشة فضيقت شمس عيناها عليه عدة لحظات قبل ان تهز كتفيها قائلة وهى تهم بالمغادرة
طيب انا هحضرلك الحمام عشان تغير هدومك
ألتفتت إليه قبل مغادرتها متسائلة
المهم العربية أتصلحت ولا رجعت بإيه
مصطفى بصوت خفيض
آه آه أتصلحت
بعد عدة لحظات أرتفع صوتها من داخل الحمام متسائلة
أحضر نفسى عشان ننزل نتعشى بره
جاهد لتخرج كلماته بصورة طبيعية قائلا وهو لازال متجمدا فى مكانه عند باب المنزل
معلش خليها بكره ياحبيبتى
لحسن الحظ أن زوجته أنشغلت بتجهيز حمامه وإعداد ملابسه فى وقت ليس بالقصير فلم تر تلك الحاله التى كان هو عليها حيث لم تقو قدماه على حمله فأنزلق بجسده المسنود على باب المنزل ليجلس أرضا وقد بدت عليه علامات الأنهيار
اتكأ برأسه على كفيه يحاول التفكير فيما حدث لم يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد لكن هى المخطأه هى المذنبة هى التى أصرت على
حبيبى مالك أنت تعبان
صدرت تلك الكلمات القلقة من الزوجة عندما رأته يجلس أرضا بتلك الطريقة المروعة فأقتربت منه بجذع لتجلس على ركبتيها بجواره وترفع رأسه بيديها متسائلة
حاسس بإيه تحب نروح مستشفى
اجابها مصطفى بضعف
أنا كويس ساعدينى بس أروح الحمام عاوز أخد دش وأنام
ساعدته شمس على النهوض متمتمة بقلق
أكيد جالك برد معلش ياحبيبى على ماتاخد حمامك اكون عملتلك حاجة سخنة تشربها
مال متكأ عليها بجسده للنهوض وكأنه قد تحول فجأة إلى هرم فى الثمانين من عمره منحنى الظهر لاتستطيع قدماه المرتعشتان حمل ثقل جسده ولا إتمام تلك الخطوات الصغيرة بداخل منزله وحده إلا بمساعدة زوجته التى تصل إلى منتصفه
فى النهاية أستطاع الإنفراد بنفسه داخل حمامه وتخلص من ملابسه الثقيلة قبل أن يقف بصعوبة أسفل رشاش المياه الدافىء والذى أندفع بقوة باعثا ذلك الشعور بالخدر داخل جسده المنتفض ثم ألتفت إلى الوراء وأستند بذراعيه على الحائط مطأطأ رأسه إلى الأسفل تاركا قطرات المياه تتسلل إلى جسده من خلال كتفيه ومقدمه صدره بعد إختلاطها بتلك القطرات الهاربه من مقلتيه المغلقتين بقوة
مضى أسبوع ألتزم فيه مصطفى أبو حجر الجلوس بمنزله على غير عادته مما أثار قلق زوجته خاصة مع توتره الدائم وتدخينه الشره بشكل مستمر ومتابعته للنشرات الإخبارية على القنوات المختلفة والتى كان يمقتها من قبل
بالأضافة إلى شراءه للعديد من الجرائد اليومية يتفحصها على عجل بأنفاس مكتومة وكأنه ينتظر قراءه خبر محدد وعند إنتهاؤه يزفر بإرتياح قبل أن يقذفها بإهمال فى إحدى أركان الغرفة مما دفع زوجته فى النهاية إلى التساؤل بفضول عندما لاحظت إعتدال حالته المزاجيه ذلك اليوم
هو انت بتدور على حاجه
ترك مابيده
جانبا قبل أن يجيبها بعدم فهم وهو يشعل سيجارته
حاجة إيه
شمس بتأفف وهى تشير إلى هذا الكم من الجرائد الملقى فى انحاء الغرفة
أصلك بقالك أسبوع عمال تشترى فى جرايد وترميها كده ولا بتقراها ولا حاجه خير مش عادتك
ثم أضافت
وإيه قنوات الأخبار دى كمان اللى طلعتلنا فى البخت جديد يعنى أنت يوم ماتقعد فى البيت تجيبلنا أخبار
أبتسم بإرتياح لأول مره منذ أسبوع معلقا
إيه بلاش نشوف أخبار الدنيا
شمس بغيظ
لا أصلك محسسنى أنك مستنى خبر معين خير أنت مضيت فيلم جديد من ورايا ولا حاجه
مصطفى ضاحكا
والله ده يتوقف عليكى
ثم أضاف بجدية وكأنه تذكر أمر المعرض
ها قوليلى وصلتى لحد فين فى الرواية
شمس بإبتسامة جذابة
خلاص هانت ياحبيبى
مصطفى بجدية
طيب تمام شدى حيلك بقى وحاولى تخلصيها النهارده على ماأرجع
شمس بعبوس
ليه أنت نازل
مصطفى غامزا
آه كفاية كده بقى مزهقتيش منى
ظهرت علامات الإمتعاض على وجه شمس قائله
وهو أنا عرفت اقعد معاك أصلا ماأنت كنت على طول قاعد لوحدك ومكشر ومش مستحمل كلمة والنهاردة لما بدأت تفك شويه هتسيبنى وتنزل وحتى مجاش فى بالك تخرجنى ولا أى حاجه لا أنا زعلانة منك
مصطفى دون إكتراث
خلصى انتى بس الرواية وأنا اخليكى تزهقى من الخروج
عبست شمس قائلة پغضب
ماشى
بعد عده لحظات أرتفع رنين باب المنزل فتوجه مصطفى إليه متسائلا
انتى طالبة حاجه من السوبر ماركت
شمس متوجهة إلى الداخل
لا ده اكيد البواب كنت قايلاله يجى ياخد هدومك يوديها الدراى كلين
أرتفع صوت مصطفى الغاضب معاتبا وهو يدير قبضة باب المنزل
أنتى كل ده لسه مودتهومش
تحولت معالم وجهة الغاضبة إلى أخرى مندهشة وهو يطالع ذلك العدد من رجال البوليس يتطلعون إليه قبل أن يقول أعلاهم رتبة
أنت مصطفى ابو حجر
مصطفى بتوتر
أيوه خير يافندم
لكن قبل أن يجيبه الظابط أرتفع صوت شمس من ورائه قائلة وهى تتوجه إلى الخارج
خد ياعم عبده دى الحاجات اللى محتاجه تروح الدراى كل
توقفت الكلمات فى حلقها عند رؤيتها لذلك الكم من الملابس الرسمية السوداء امامها فتسائلت بهلع
فى إيه
أشار الظابط إلى إحدى أتباعه لإلتقاط ذلك الكيس البلاستيكى بيدها قبل ان يوجه كلماته إلى مصطفى موضحا
أنت مطلوب القبض عليك
أمسكت شمس ذراع زوجها بقوه قائلة بلهجة اشبه للصياح
ليه مصطفى معملش حاجه
حاول مصطفى تهدئتها قبل أن يتسائل بخفوت
ممكن أعرف السبب
اجابه المسؤول
متهم پقتل المدعوة الاء
الفصل التاسع والعشرون
تعلقت بذراعه كالطفلة المذعورة ترفض ذهابه بعيدا عنها لكن رغما عنها أفلت من بين يديها عندما جذبه إلى الخارج پعنف إحدى الرجال مفتولى العضلات ذات السترات الرماديه والذى يطلق عليه لفظ مخبر بأمر من الظابط المسؤول والذى رفض بتعنت إعطاء مصطفى المهلة اللازمة لتغيير ملابسه البيتيه
بدا ذلك الأخير مستسلما ساكنا صامتا بعكس زوجته التى تعالى صوتها من ورائه بجزع غير قادرة على إستيعاب مايحدث يتهاوى قلبها أرضا كلما خطا خطوة واحده بعيدا عنها تبعته حتى منتصف الدرج غير واعية لملابسها الغير ملائمة فأرتدت إلى المنزل من جديد حيث أرتدت معطفها الطويل المجاور لباب المنزل على عجل أعلى ملابسها البيتية وأحتفظت بغطاء رأسها الذى أرتدته من قبل عند قرع الباب تناولت هاتفها وبعض النقود والمفاتيح الخاصة بها أثناء أرتداؤها حذائها قبل أن تتبعهم إلى الأسفل بأعين زائغة وملامح تائهة وأستقلت أول سياره أجرة صادفتها للحاق بهم إلى قسم الشرطة
هناك فى ذلك الركن الباهت المتهالك الشبه مظلم رأته يجلس بشرود أعلى المقعد الخشبى الطويل مستندا برأسه على الحائط الغير نظيف من ورائه بينما يداه مكبلتان بالأساور الحديديه مظهره الأنيق وملابسه البيتيه وروب المنزل الصوفى الباهظ الثمن الذى يرتديه سهلت مهمة العثور عليه حيث بدا بشكل ملفت كإحدى بشوات العهد الملكى البائد المحاط بالعامه من الناس
توجهت الأنظار إليه بإعجاب يتأملون جسده المفتول وجزعه الطويل ووجهه الوسيم المتوج بشعيراته اللامعة التى غلبها الشيب بشكل منظم راق عكس من يشاركونه مقعده من معتادى الإجرام ذات الأعين الجاحظة والشعور المشعثة والوجوه المخيفة التى لم تخلو من الندبات الحديثة مختلفه الأشكال والأحجام
هدأ قلبها فور رؤيتها له وجففت دمعاتها قبل أن تدنو منه بخطوات بطيئة ثابته لم يلاحظها هو لكنها توقفت عندما أقترب منه إحدى العساكر وجذبه إليه پعنف قائلا
قوم رئيس المباحث مستنيك
تسمرت عيناها عدة لحظات
على زوجها والذى طالما كان شامخا واثقا ينبختر فى مشيته بخيلاء وزهو كالطاووس تراه الآن يخطو بضعف وخضوع يداه مكبلتان أمامه بإذلال مطأطأ الرأس لايقو على رفعها منحنى الظهر وكأنه قد جاوز المئه من عمره
تابعته بعدستيها إلى أن أختفى بداخل إحدى الغرف المغلقة وفى تلك اللحظه أحست برجفة خفيفة تسيطر على جسدها فأحكمت إغلاق معطفها قبل أن تقف بالقرب من تلك الغرفة مستندة على إحدى الحوائط بوهن فى إنتظار خروجه
ما إن خطا أولى خطواته داخل غرفة رئيس المباحث حتى أعتدل العسكرى الممسك به فى
وقفته قبل أن يضرب إحدى قدميه
تمام يافندم المتهم مصطفى أبو حجر
ثبت رئيس المباحث عينيه على المقيد عده لحظات قبل أن يشير إلى العسكرى بفك قيده والتوجه إلى الخارج فأمتثل ذلك الأخير لرغبة رئيسه فى الحال
رئيس المباحث بهدوء محدثا مصطفى وهو يشير إلى إحدى المقاعد أمامه
أتفضل أقعد
تحرك مصطفى بآلية شديدة ليجلس على المقعد الجلدى الذى أشار إليه رئيس المباحث دون أن ينبس ببنت شفه وبعد عدة لحظات من الصمت المطبق أنشغل فيهم رئيس المباحث بمراجعة بعض الوريقات أمامه أستطاع مصطفى أخيرا إدراك مايحدث من حوله فتسائل بصوت خفيض
أقدر أعرف أنا هنا ليه
ألقى رئيس المباحث نظرة أخيرة على ماأمامه قبل أن يجيبه دون أن ينظر إليه
يعنى متعرفش
مصطفى بتوتر
اللى اعرفه أنى متهم فى قضية قتل
رئيس المباحث
كويس أنك وفرت عليا وعلى نفسك اللف والدوران وياترى عارف قتل مين !
مصطفى بشرود
آلاء
رئيس النيابه
تمام كده نفتح المحضر
ثم أشار ذلك الأخير إلى الشخص الجالس بجواره قائلا
أفتح التحقيق يابنى
وجه كلماته من جديد إلى مصطفى قائلا
أسمك وسنك وعنوانك
أجابه مصطفى بهدوء فتابع
الأول
إيه علاقتك بالمدعوة آلاء حسن
مصطفى بإرتباك
مليش علاقة بيها
رئيس المباحث بجدية
يعنى متعرفهاش
مصطفى مفكرا
أعرفها معرفه سطحية زيها زى أى حد معجب بكتاباتى مش أكتر
رئيس المباحث
وهو العادى أن يبقى فى بينك وبين معجباتك رسايل ومكالمات ومقابلات
مصطفى موضحا
هى اللى كانت بتطاردنى أنا مليش ذنب فى كده
اومأ رئيس المباحث برأسه متفهما قبل أن يتسائل
أمتى آخر مره شوفتها وفين
مصطفى بتوتر
مش فاكر الحقيقة
رئيس المباحث بحذر
مشوفتهاش من أسبوع يعنى
لم يجيبه مصطفى فأكمل رئيس المباحث موضحا
أخو المجنى عليها بيتهمك أنك سبب إختفائها وبيقول انك هددتها أكتر من مره پالقتل إيه تعليقك على الكلام ده
مصطفى بإنفعال واضح
قتل ! محصلش فين دليله على الكلام ده
ثم أستردك قائلا عقب أنتباهه لكلمات رئيس المباحث
ثانية واحدة انت بتقول إختفاء ! يعنى ملقتوش چثة !
رئيس النيابه بهدوء
أكيد انت هتدلنا عليها مش كده
أنتبه مصطفى إلى تلك الكلمات الغير واضحة والتى تستهدف الأيقاع به فثار قائلا
يعنى أنا هنا عشان مجرد إتهام من واحد معرفهوش لتغيب أخته الغير متزنه عقليا ! هو أى حد يتهم أى شخص تجرجروه من بيته بالشكل المهين ده
اومأ رئيس المباحث برأسه ساخرا
لا الحقيقة كنا مستنينك أنت
تقولنا نمشى شغلنا أزاى
مصطفى بغرور وقد استعاد ثقته
أنا مش هسكت على اللى حصل ده ده أسمه تشهير فى طرق احسن من كده تتعاملوا بيها مع الناس المحترمة اللى ليها سمعتها
رئيس المباحث موضحا
كنت ممكن توفر علينا وعلى نفسك كل ده لو أحترمت القانون من الأول وأستلمت إستدعاء النيابه اللى رفضته بوقاحة واتعديت بالسباب على المحضر
مصطفى بإستغراب
إستدعاء نيابه إيه اللى رفضته الكلام ده محصلش
رئيس المباحث بإستخفاف
والله ده اللى مكتوب قدامى وبناءا عليه النهارده هتبات النهارده فى القسم عشان بكره تتعرض على النيابه وهناك بقى أبقى قول كل اللى فى نفسك
صاح مصطفى بصوت عال نسبيا
أتحبس إيه ونيابه إيه اللى هتعرض عليها أنت عارف أنا مين وممكن أعمل إيه اتصلى برئيسك حالا
أعتدل رئيس المباحث فى جلسته قبل أن يقول بحدة
صوتك ميعلاش انت هنا فى القسم مش فى بيتكوا ليك مكالمه تليفون واحدة تعملها بره وأنصحك تبقى للمحامى بتاعك عشان يحضر معاك فى النيابه بكره
ثم وجه كلماته إلى الجالس بجواره قائلا بصرامة
أكتب يابنى يحبس المتهم على أن يتم ترحيله غدا إلى سرايا النيابه باكرا
ثم أضاف بنبرة عاليه
ياعسكرى خد المتهم ده ارميه فى الحبس بعد ماتعمله فيش
تحولت ملامح مصطفى الغاضبة إلى أخرى قلقة خاصة بعد أن تم تكبيله من جديد قبل خروجه من غرفة التحقيق وما إن طل بجسده خارج الغرفة حتى أندفعت إليه شمس بلهفة وأعينها مغطاه بالدموع تظهر عليها علامات الإنهيار قائله
مصطفى طمنى حصل إيه
تدخل العسكرى يمنعها من الأقتراب منه قائلا
ممنوع يامدام
تسائلت شمس بجزع من بين دموعها محدثة زوجها
ممنوع إيه أنت مش هتروح معايا
مصطفى بتوتر اثناء سيره برفقه العسكرى
هيعرضونى على النيابه بكره لازم تشوفيلى محامى كويس يحضر معايا التحقيق ومش عاوز حد خالص يعرف اللى بيحصل ده بأى شكل من الأشكال الصحافة لو شمت خبر مش هيسكتوا
شمس بعدم تصديق
تحقيق إيه ونيابة إيه أنت إيه علاقتك بقټلها
ارتفع صوت مصطفى وهو يبتعد
مش عارف حاجه بس انا مليش علاقة باللى حصل متنسيش المحامى بكره بدرى
سرعان ماأختفى جسده وتلاشى صوته وسط ذلك الزحام بينما ظلت هى مكانها لعده دقائق تحاول إستيعاب مايحدث قبل أن تمسح وجهها بكفيها كى تستطيع التفكير وتقرر المغادرة للبحث عن محامى يساعدها فى إدراك مايجرى لكن من أين لها الحصول على محامى فى مثل هذا الوقت وبتلك السرعة فهى ليست لديها أدنى فكرة عن تلك الأمور وكيفية التصرف فيها وبعد كثير من التفكير لم تجد مفرا من الإستعانه به هو منقذها الدائم وملجأها الأول فى كل الأزمات
فى ممر معتم بلا منفذ للتهوية تقريبا وعلى أرض أسمنتية يفوح منها روائح عفنة لبقايا أطعمة وقمامه ملقاه فى جميع الزوايا يعبث بها مختلف أنواع الحشرات الزاحفة بحثا عن قوت يومهم ووحدة إضاءة متأرجحة خاڤتة ترمى بظلالها على الحوائط الأسمنتية الداكنة التى يملؤها رسومات طباشيرية وأسماء متعددة لمعتادى الإجرام وكأنهم يؤرخون مرورهم بهذا المكان القذر من قبل
جلس مصطفى يإنكماش فوق إحدى الدكك الخشبية بعد أن ألقى به العسكرى بالداخل قائلا
حظك حلو الحبس فاضى النهارده
مسح مصطفى المكان بعينيه سريعا قيل أن يدرك أن عدد الأشخاص لا يقل عن أثنى عشر رجلا يقبعون جميعا داخل غرفة مغلقة لاتزيد عن ثلاثه أمتار طولا وعرضا مقتطع جزءا منها كحمام بلدى تنفذ رائحته الكريهة لتملأ المكان بينما فى أعلى إحدى الحوائط ظهر مصدر التهوية الوحيد نافذة حديدية صغيرة تقوم بتجديد الهواء على إستحياء
زاد إنكماشه فوق الدكة الخشبية متجنبا تلامس أولئك الأشخاص بجواره والذين غطوا فى نوم عميق فلم يشعروا بوجوده إلى الآن
زفر بضيق بعدما فشل فى إستنشاق هواء نظيف يساعده على التفكير بشكل سليم فما كان منه سوى أن غطى أنفه وفمه بملابسه المعطره عله يخفف من وطأ تلك الرائحة البغيضة وبقى على تلك الحال حتى بزوغ أولى خيوط الفجر حين سيطر عليه التعب وخانته عيناه من فرط إرهاقهما فغفا دون أن يشعر ولم يستيقظ سوى على صوت أجش يستحثه على النهوض
بعد عدة ساعات فى تمام التاسعة صباحا
وقف مصطفى بجسد متهالك خارج غرفة النائب العام فى إنتظار بدىء التحقيق عندما لاحت زوجته
من بعيد تهرول إليه بصحبة شخصين تبين هو أحدهما على الفور والذى لم يكن سوى اسامة
أقتربت شمس من زوجها بلهفة وبحوزتها بعض العصائر والمأكولات الساخنة قائلة
مصطفى حبيبى عامل إيه
مدت ذراعها إليه مضيفة بجذع
خد كل أى حاجه قبل ماتدخل انت من إمبارح مأكلتش
مصطفى بعصبية واضحة وعيناه مثبتتان على اسامة
عاوز سجاير
ظهرت علامات الخيبة على وجه الزوجة قائلة
نسيت أجيبلك طيب هطلع بسرعة أجيب من أى مكان
استوقفها المحامى قائلا بعد أن أخرج علبه سجائره الخاصة
ملوش لزوم أتفضل ياأستاذ مصطفى
شمس معلقة
نسيت أعرفك يامصطفى أستاذ أيمن جادالله المحامى
أومأ مصطفى برأسه محييا بينما علق أيمن بجدية
تقدر تلخصلى الموضوع بسرعه قبل ماندخل
تطلع مصطفى من جديد إلى أسامه الواقف على بعد عده أمتار منه قائلا وهو يشعل سيجارته
فى واحده اسمها آلاء مختفيه ومتهمنى بقټلها بعد ماأخوها جه قدم بلاغ ضدى
أيمن بجديه
هل فى أى دلائل على اتهامه ده
مصطفى بإستخفاف
مجرد كلام مرسل وحتى أصلا مفيش چثة عشان يبقى فى إتهام پالقتل
شمس مضيفة
ده هى آلاء دى اللى كانت بتطارده اصلا وكانت مريضة نفسية لازم تقولهم على اللى عملته بامصطفى
أومأ مصطفى برأسه دون أن يتحدث نافثا دخان سيجارته بعصبيه قبل أن يقول أيمن مطمأنا
إن شاء الله خير وتروح معانا النهارده
شمس بلهفة
بجد يامتر ريما يطمنك يارب
لم تمر دقائق حتى أختفى مصطفى وأيمن داخل غرفة النائب العام بعد أن رمق الأول أسامة بنظرة طويله تشوبها علامات الحقد والغيرة والتى أستقبلها أسامه بلا مبالاه وتحد حيث توجه بخطوات ثابته إلى حيث تقف شمس على مرأى من مصطفى قبل أن تغلق أبواب الغرفة
أحمر وجه مصطفى ڠضبا وأنشغل عقله بما يدور بالخارج بين شمس وأسامة قبل أن يلكزه محاميه برفق قائلا
أستاذ مصطفى
أنتبه أخيرا إلى صوت محاميه والذى تلاه قول وكيل النيابه
أتفضلوا أقعدوا
تتابع مجرى الحديث بين ثلاثتهم بشكل سلس حيث أكد مصطفى اقواله السابقة بأن آلاء كانت مجرد معجبة تقوم بملاحقته فى كل مكان وهو كان يحاول التهرب منها طوال الوقت
وكيل النيابة
أمتى آخر مره شوفت المجنى عليها
أمتنع مصطفى عن الإجابة فتدخل أيمن قائلا بعدما لاحظ تحفظ موكله
بعد أذن حضرتك بس الموضوع مش واضح لموكلى هل احنا هنا بنتكلم عن قضيه إختفاء ولا قضيه قتل
وكيل
مبدأيا إختفاء
أيمن
طب أقدر أفهم موكلى إيه علاقته بإختفائها وليه هو متهم
وكيل النيابة بحذر موجها نظراته إلى مصطفى
طب يامتر مش لما موكلك يجاوب الأول آخر مره شافها امتى عشان نقدر نحدد علاقته مع العلم أننا عملنا تحرياتنا يعنى يخلى باله من أى كلمه يقولها مش فى محلها متكونش فى صالحه أحنا عاوزين الحقيقة
أومأ أيمن برأسه إلى مصطفى مطمئنا لكن ذلك الأخير أستغرق عدة ثوان قبل أن يتحدث قائلا بتردد
آخر مره شوفتها من أسبوع جاتلى البيت وأخدتها ونزلنا
وكيل النيابة متسائلا
تحرياتنا بتقول أن كان فى أصوات شجار خفيف من على السلم وفيه كلمات زى هفضحك وهبين للناس حقيقتك وبعديها بدقايق
خرجت أنت وهى ركبتوا العربيه وأنت كان باين على وشك علامات الڠضب إيه سببب الشجار ! وروحتوا فين !
أبتلع مصطفى لعابه عدة مرات قبل أن يجيب
هو فعلا أحنا شدينا مع بعض عشان هى جاتلى البيت وكنت خاېف مراتى تشوفها ولما ركبنا العربيه حاولت أهديها شويه وبعد كده نزلتها أقرب مكان لبيتها
أراح وكيل النيابة جسده على مقعده المتحرك متسائلا بنبرة تحذره من الكذب تلك المرة
هسألك تانى إيه طبيعة العلاقه بينكوا وياريت تجاوب بصراحة
مصطفى
زى ماقولت لحضرتك هى كانت معجبه بيا وفهمت إهتمامى بيها أنه حب ولما أتجوزت من كام شهر بدأت تطاردنى
قام وكيل النيابة بفتح جهاز اللاب توب بجواره قائلا وعيناه مثبتتان على الشاشة أمامه
بس اللاب توب بتاعها ده اللى عليه محادثتكوا مع بعض مبيقولش أنه كان إعجاب من طرف واحد بالعكس ده انت اللى كنت بتشجعها على إستمرار علاقتكوا وانت اللى صارحتها بإعجابك الأول
مصطفى بتلعثم وهو يتأمل ذلك الجهاز بتشكك
لا هو كان مجرد إعجاب بكتاباتها وشخصيتها مش أكتر وهى اللى فسرته غلط
اومأ وكيل النيابه برأسه قائلا بسخرية
وكلام زى أنا اتعودت أكلمك كل يوم وبقيتى واخده مساحه كبيره من حياتى من غير مااحس محتاجين نتقابل
ملامحك وحشتنى ده
بردو هى فسرته غلط
لم يجد مصطفى مبررا لتلك الكلمات فأجاب بعصببة
حتى لو كان بينى وبينها علاقه فده كان من وقت كبير وكل حاجه انتهت من قبل مااتجوز
وكيل النيابه
بس الواضح قدامى أن العلاقه دى بدأت ترجع تانى من كام اسبوع ورسايلك ليها واضحه
وحشتينى عاوز اشوفك محتاجك جمبى أنا مبقتش طايق مراتى وبعتها بيت اهلها وعاوز اطلقها مفيش غيرك اللى فهمتينى وحسيتى بيا
وهى اللى كانت بتتجاهلك لحد ماردت عليك قبل اختفائها بيوم واتفقتوا أنكوا تتقابلوا فى المقطم
قطب مصطفى مابين حاجبيه مستنكرا
الكلام ده كله محصلش
قام وكيل النيابة بتوجيه شاشة اللاب توب إليه قائلا
مش ده الاكونت بتاعك وده كلامكوا القديم
هز مصطفى رأسه موافقا
آه بس
ثم أستدرك بقلة حيلة
أنا مكلمتهاش تانى ومقولتلهاش نتقابل وبعدين ماأنتوا أتاكدتوا انها جاتلى البيت وانا اخدتها ونزلت يعنى لو عاطيها ميعاد ليه هتجيلى وانا هقابلها فى مكان تانى
وكيل النيابة بجدية
مايمكن ده سبب الشجار أنها جاتلك البيت وأكتشفت وجود مراتك وانك كنت بتكدب عليها فقررت تفضحك وساعتها جه فى بالك تاخدها المقطم وټقتلها
أجاب مصطفى بحدة وهو على وشك الأنهيار
محصلش أنا وصلتها عند بيتها
وكيل النيابه بهدوء
وصلتها عند بيتها ولا مكان قريب لبيتها
مصطفى بتردد
آه قريب من بيتها مش فاكر مش فاكر
وكيل النيابة بإستفزاز
يعنى مروحتش المقطم اليوم ده
مصطفى بتحد دون تفكير
لا
وكيل النيابة بإصرار
بس الرادار مسجل نمر عربيتك اليوم ده وأنت فى طريقك للمقطم رايح جاى
مصطفى بتلعثم
انا أنا كنت
لم يعطه وكيل النيابه فرصة للتفكير فلاحقه قائلا
قټلتها ليه عشان متفضحكش قدام مراتك ولا فى سبب تانى
مصطفى بصياح
مقتلتهاش فين الچثه عشان تتهمنى پالقتل مفيش چثة مفيش چثة
فى تلك اللحظه أرتفعت الطرقات على باب الغرفة وتقدم إحدى معاونى المباحث قائلا
تمام يافندم لقينا الچثه
الفصل الثلاثون
أنهمرت قطرات المطر ببطىء على الطريق الرمادى الهادىء الخالى من الماره أو السيارات والمؤدى إلى المقطم حيث تلبدت السماء بالغيوم منذرة بعاصفة شتوية ثقيلة وعم الظلام الدامس أرجاء الطريق إلا من ضوء خفيف ينبعث من كشاف سيارة مسرعة تعمل مساحاتها الأمامية على عجل لتمحى المتبقى من قطرات حبات المطر المصطدمة بزجاجها
تسلل الرذاذ الخفيف إلى وجوه مستقلى السيارة والذين علا وجوههم علامات التوتر والقلق البالغ بعد صمت ساد لأكثر من نصف الساعة حيث قطعه السائق قائلا
الجو شكله هيقلب جامد أنا بقول نرجع أحسن ونقعد نتكلم فى أى مكان مقفول
أجابته الجالسه بجواره دون تفكير
إيه خاېف
مصطفى بإستغراب
أخاف من إيه انتى اللى المفروض تقلقى
لاحت شبه إبتسامه ساخرة أعلى شفتيها ميزها هو بصعوبه على إثر الإضاءة الخافته داخل السيارة قبل أن تلتزم هى الصمت بعدها حتى وصلا إلى وجهتيهما
توقفت السيارة عن الحركة وسلطت كشافاتها المضيئة بقوة على بقعة ما أمامها فترجلت آلاء من مكانها بهدوء عقب توقف المطر وتلفحت بوشاحها الأحمر الصوفى قبل أن تولى السيارة ظهرها متأملة ذلك الفراغ المعتم من أمامها أثناء وقوفها على تلك الأرض الصخرية الغير مستوية والمبتلة من إثر
الأمطار فى إنتظار خروج مصطفى إليها
بعد عدة لحظات ليست يالقليلة غادر مصطفى مقعده لينضم إليها مفكرا فيما تريده منه ولما ذلك الإصرار الغريب للتواجد فى هذا المكان فى مثل هذا الوقت
لاح بمظهر نجوم السينما الأمريكية وهو يقترب منها بجسده الفارع المتناسق ومنكبيه العريضتين فى هذا المعطف الصوفى الباهظ وشعيراته المختلطة بالشيب من الوراء والتى تجلت بقوة على ضوء سيارته بعد أن أبتعد عنها عدة أمتار قبل أن يستقر بجوار تلك الواقفة أدخل يديه بشموخ داخل جيبى معطفه الدافئ فبدا مثل زعماء الماڤيا الذين على وشك عقد صفقة ما أو رجال المخابرات الحريصون على عدم كشف هويتهم أثناء تبادلهم أسرار الدولة العظمى خاصة وهو يقول بعد أن أخرج يديه من جديد لإشعال سيجارته دون أن ينظر إليها
أعتقد تقدرى تتكلمى هنا
جائه صوتها ضعيفا مهتزا وكأن الرياح أبتلعته وهى تقول
فاكر لما كنا بنيجى هنا أول ماعرفنا بعض
نفث مصطفى أولى أنفاسه قائلا بتأفف
أكيد مش جيبانا هنا عشان نسترجع الذكريات فى الوقت ده
أبتسمت بسخرية قبل أن تجيبه وهى تربت على ذراعيها لتدفئتهما متجاهلة تعليقه
كنا فى الربيع ساعات كنا بنيجى من العصر عشان نشوف الغروب من عربيتك وساعات بنيجى بليل نقعد هنا ونتكلم لحد مانزهق
صمتت قليلا قبل أن تضيف
كان الجو بيبقى دافى وفيه دايما نسمة خفيفة بريحة الورود بتهل علينا كل شوية وبليل ساعات لما كنت بحس بسنة برد بلاقى الجاكت بتاعك على كتافى ساعتها كنت ببصلك بهيام وبفكر قد إيه أنت إنسان حساس ورومانسى بتحس بيا من غير حتى ماأتكلم
كان نفسى أوى آجى معاك هنا فى الوقت ده
عارف إنى ياما أتخيلت حياتنا مع بعض فى الشتا وإحنا فى بيت واحد زى ماوعدتنى قبل كده وحبيتها أوى حبيت بيتنا وعيالنا وحياتنا وخروجاتنا حتى خناقتنا حبيتها حبيت الدنيا اللى رسمتها فى خيالى معاك
ثبت مصطفى عينيه على إحدى النجمات التى لاحت من بعيد قائلا
هتفوقى امتى من الوهم اللى انتى فيه إحنا عمرنا ماهنكون مع بعض
لمعت مقلتيها فى الظلام معلنة عن إمتلائها بالدمعات قبل أن تقول پقهر
سيبنى احلم ياأخى حتى الحلم مستكتره عليا
أختفت تلك النجمة التى يراقبها فأخذ يبحث عن غيرها وهو يقول أثناء نفث دخانه
لازم تفوقى من حلمك ده ياآلاء ياإما هتقعى على جدور رقبتك ومش هتلاقى حد يلحقك
تصلبت مقلتيها على الفراغ من أمامها متسائلة بجدية
تفتكر لو نطيت من هنا هاخد وقت قد إيه عشان أوصل للأرض
مصطفى بلامبالاه وهو يدهس ماتبقى من سيجارته أسفل حذائه عندما أصطدمت إحدى قطرات المياه بوجهه
دى تسألى فيها مدرس فيزيا إنما أنا معنديش وقت للأفتراضات لو عاوزة تعرفى الوقت نطى وإحسبيها أنتى
آلاء بهدوء متجاهلة قطرات المياة التى بدأت بالإزدياد
هتزعل عليا لو مت
لم يجد لسؤالها معنى فولاها ظهره متجها إلى سيارته وهو يقول
هزعل عليكى لو مبطلتيش الجنان اللى انتى فيه أظن كفاية كده ويلا بينا عشان الدنيا
بدأت تمطر من تانى
لم تجيبه فأستقل سيارته يحتمى بها من حبات المطر التى بدأت بالتسارع دون إنذار وأغرقت وجهه ألتقط منديلا ورقيا يمسحه به قبل أن ينظر من واجهة سيارته الزجاجيه إلى بقعة الضوء أمامه حيث تقف آلاء
ألتفتت إليه ورآها تتقدم إلى الأمام ببطىء ممسكه بشئ اسود اللون حاول تضييق عينيه عله يستطيع تبين ماتحمله لكن أتسعت عيناه عند رؤيتها تقوم بتوجيهه إلى قلبها وعند إدراكه ماهى مقدمة على فعله وقبل تفوهه بكلمة صدح ذلك الصوت القوى فى الأرجاء وخرت هى صريعة فى الحال
غادر سيارته إليها محاولا مساعدتها لكنها أشارت إليه بالرحيل قبل أن تلفظ ماتبقى من أنفاسها وتتحجر عيناها على الفراغ
تلفت حوله يمنة ويسارا باحثا عن أى شخص يقوم بمساعدته لكنه لم يجد سوى الظلام أخرج هاتفه للإتصال بالإسعاف لكن قبل أن يضغط زر الإتصال حدثته نفسه
ما الجدوى من ذلك ! فقد لفظت أنفاسها الأخيرة ولن يفيدها قدوم
لا يعلم أحد بوجوده برفقتها لذا يجب عليه الهرب وحتما فى الصباح سيجدها أحدهم نعم ذلك هو القرار الصائب فليعود إلى منزله فى الحال
فى تلك الثوان وأثناء تفكيره أبتل معطفه بأكمله وتلطخت أطرافه بقطع الطين بعد إحتكاكها بالأرض الصخرية المبتلة من تحته توجه إلى سيارته من جديد بأيد مرتعشة وقام بالإبتعاد إلى الطريق الرئيسى عندما بدأ الإعصار فى الإشتداد وأخذ